تواجه مجموعة من الحرف والمهن التقليدية في المغرب تحدياً متزايداً يتمثل في نقص اليد العاملة القادرة على مواصلة ممارستها، في ظل إحالة عدد من الحرفيين ذوي الخبرة على التقاعد أو اقترابهم من مغادرة سوق الشغل، مقابل تراجع إقبال الشباب على تعلم بعض المهن التي كانت تنتقل تقليدياً من جيل إلى آخر.
وتشمل هذه الوضعية مهن مثل النجارة والحدادة والخرازة وصناعة الجلد والنحاس، حيث بات عدد من المهنيين يشتكون من صعوبة العثور على يد عاملة تتوفر على المهارات والخبرة اللازمة.
ويربط مهنيون ونقابيون هذا التحول بمجموعة من العوامل الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والقانونية، مؤكدين أن تراجع الحرف التقليدية لم يعد مرتبطاً فقط بضعف الإقبال عليها، وإنما أيضاً بتغير المسارات التي تسلكها الأجيال الجديدة.
المدرسة غيّرت مسار تعلم الحرف
وقال علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، إن عدداً من الحرفيين المتقدمين في السن يقتربون من مغادرة سوق الشغل دون أن يجدوا من يخلفهم، مشيراً إلى أن مهن مثل الحدادة والنجارة والصباغة لم تعد تستقطب الشباب بالوتيرة نفسها التي كانت تعرفها سابقاً.
وأوضح لطفي أن ارتفاع معدلات التمدرس وتغير نظرة الأسر إلى مستقبل أبنائها ساهما في تراجع النموذج التقليدي لتعلم الحرف، بعدما أصبح الآباء يفضلون إبقاء أبنائهم في المسار الدراسي بدلاً من إلحاقهم في سن مبكرة بالورش لتعلم المهنة.
وكان هذا النموذج يقوم على انتقال الخبرة من “المعلم” إلى “المتعلم”، قبل أن يتحول الأخير مع مرور الوقت إلى حرفي قادر على مواصلة النشاط. غير أن هذا المسار تراجع تدريجياً، ما أثر على قدرة عدد من الحرف على ضمان استمراريتها.
وأشار لطفي إلى أن مدناً مثل فاس ومراكش وسلا كانت تعرف تقاليد راسخة في انتقال المهن الحرفية من الآباء إلى الأبناء، غير أن هذه الممارسة عرفت تراجعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة.
نقص اليد العاملة يتجاوز الحرف
ولا تقتصر تداعيات هذا التحول، وفق لطفي، على الصناعات التقليدية، إذ بدأت قطاعات أخرى تعرف بدورها صعوبات في توفير اليد العاملة المحلية، من بينها البناء والفلاحة.
وأشار إلى تنامي الاستعانة بعمال من إفريقيا جنوب الصحراء في بعض الأنشطة، خصوصاً في قطاع البناء، لسد جزء من الخصاص في اليد العاملة.
كما ربط في المجال الزراعي بين نقص اليد العاملة وبين انتقال جزء من شباب البوادي إلى المدن بحثاً عن فرص جديدة، إلى جانب توجه بعضهم نحو أنشطة الاقتصاد غير المهيكل.
ويرى لطفي أن العامل الديموغرافي، رغم انخفاض معدل الخصوبة في المغرب، لا يفسر وحده هذه التحولات، معتبراً أن التغيرات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية لعبت دوراً أكبر في إعادة تشكيل علاقة الشباب بالمهن التقليدية.
وأضاف أن التكوين المهني يواصل توفير تخصصات حديثة تواكب التطور التكنولوجي، مثل الكهرباء وميكانيك السيارات، لكنه لا يعوض بالضرورة التراجع الذي تشهده بعض الحرف التقليدية القديمة.
“تحد وجودي” يهدد بعض المهن
من جانبه، وصف يوسف مكوري، الكاتب الجهوي للاتحاد المغربي للشغل، نقص اليد العاملة بأنه “تحد وجودي” بالنسبة إلى عدد من الحرف والمهن التقليدية، محذراً من احتمال اندثار بعضها إذا لم يتم تأهيلها وتطويرها ضمن رؤية تشاركية.
وأوضح أن الأمر يشمل مجموعة واسعة من الأنشطة، من بينها النجارة والحدادة والخرازة وصناعة الجلد والنحاس والتجارة الصغيرة، وهي مهن كانت تعتمد بشكل كبير على التعلم داخل الورش.
وكان اليافع يلتحق بالحرفي ويتعلم المهنة تدريجياً مقابل أجر رمزي، قبل أن يكتسب الخبرة الكافية لممارسة النشاط بشكل مستقل.
غير أن هذا النموذج تغير مع توسع منظومة التكوين المهني، التي أصبحت تمنح شهادات ودبلومات في عدد من التخصصات.
الدبلوم يرفع كلفة اليد العاملة
ويرى مكوري أن أحد الإشكالات الحالية يتمثل في الفارق بين منظومة التكوين الحديثة وطبيعة عدد من المقاولات الحرفية الصغيرة جداً.
فالعامل الذي يحصل على دبلوم وتكوين مهني يصبح من حقه المطالبة بأجر يتناسب مع مؤهلاته، في حين قد لا تكون المقاولات الصغيرة قادرة دائماً على تحمل هذه التكلفة.
ويجعل ذلك بعض الحرفيين أمام معادلة صعبة: فمن جهة، يصعب عليهم العثور على متعلمين شباب يقبلون بأجور رمزية لاكتساب الخبرة، ومن جهة أخرى، فإن استقدام عامل مؤهل بتكوين مهني يفرض تكلفة أكبر على المقاولة.
وأكد مكوري أن شاباً في العشرين أو الخامسة والعشرين أو الثلاثين من عمره لا يمكن أن يلتحق بورشة نجار أو حداد دون معرفة سابقة بالمهنة، كما أن الحاصل على تكوين ودبلوم سيطالب بأجر يتناسب مع مؤهلاته.
خطر فقدان خبرة “المعلمين”
ولا يتعلق الخطر، بحسب مكوري، فقط بنقص عدد العمال، بل أيضاً بإمكانية فقدان خبرات متراكمة لدى جيل من “المعلمين” الذين أمضوا سنوات طويلة في ممارسة هذه المهن.
وتتجاوز خبرة هؤلاء الجانب التقني، لتشمل مهارات مرتبطة بالإبداع والفن والتقاليد الحرفية التي تشكل جزءاً من الثقافة المغربية.
ويرى المتحدث أن الحفاظ على هذه الحرف لا ينبغي أن يعني تجميدها في شكلها التقليدي، بل تطويرها مع الحفاظ على هويتها الفنية والإبداعية، بما يسمح لها أيضاً بخلق فرص عمل واستقطاب أجيال جديدة.
الحرف التقليدية وسؤال التشغيل
ويربط مكوري مستقبل هذه المهن بشكل مباشر بأزمة التشغيل في المغرب، معتبراً أن تطوير الحرف وتأهيلها يمكن أن يساهم في توسيع فرص العمل والحد من البطالة.
كما أشار إلى وجود أعداد مهمة من الشباب الحاصلين على شهادات وتكوينات مختلفة، لكنهم يواجهون بدورهم صعوبة في الاندماج داخل سوق الشغل، ما يجعل أزمة الحرف جزءاً من إشكالية تشغيل أوسع.
ولفت كذلك إلى أن التحديات لا تشمل الحرف اليدوية فقط، وإنما تمتد إلى التجارة الصغيرة وتجارة القرب، بما فيها محلات “مول الحانوت”، التي تواجه منافسة متزايدة من الأسواق الكبرى.
هل يمكن إنقاذ الحرف قبل رحيل “المعلمين”؟
ويرى المتحدث أن الحفاظ على هذه المهن أصبح مرتبطاً بإيجاد نموذج جديد لنقل المهارات، خصوصاً أن النموذج القديم القائم على تشغيل الأطفال داخل الورش لم يعد ممكناً بالشكل نفسه، في ظل مقتضيات مدونة الشغل والمواثيق الدولية المتعلقة بمنع تشغيل الأطفال.
ودعا مكوري إلى وضع سياسة حكومية واضحة لتأهيل هذه المهن وتطويرها، بمشاركة الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، وربط هذا الورش بشكل مباشر بسياسات التشغيل.
وبينما تتراجع آليات التوارث التقليدي للمهن، يبقى التحدي الأساسي هو إيجاد صيغة تسمح بنقل خبرة “المعلمين” إلى جيل جديد دون التفريط في الهوية الحرفية المغربية، وتحويل هذه المهن من أنشطة مهددة بفقدان اليد العاملة إلى مجالات قادرة على خلق فرص شغل مستدامة.

