
في قلب جماعة الدير بإقليم تارودانت، ما تزال صناعة الملح الطبيعي تقاوم الزمن، محافظة على مكانتها كواحدة من أعرق الحرف التقليدية التي توارثتها الأجيال، في مشهد يجسد ارتباط الإنسان ببيئته وقدرته على استثمار الموارد الطبيعية بطرق بسيطة ومستدامة.
وتنطلق عملية إنتاج الملح بجمع المياه المالحة وتوجيهها إلى أحواض خاصة تعرف محليًا بـ”الملاحات”، حيث تُترك تحت أشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة لفترات متفاوتة. ومع مرور الأيام، تتبخر المياه تدريجيًا لتتشكل بلورات الملح الطبيعي في قاع الأحواض، قبل أن تُجمع يدويا بعناية، ثم تُجفف وتُعبأ استعدادًا لتسويقها في الأسواق المحلية والإقليمية.
وتعتمد هذه الحرفة على خبرة متوارثة وتقنيات تقليدية لم تتغير كثيرا عبر السنين، وهو ما يمنح الملح المنتج بالمنطقة خصوصيته وجودته، ويجعله يحظى بإقبال متزايد من طرف المستهلكين الباحثين عن المنتجات الطبيعية الخالية من المعالجة الصناعية.
ولا تقتصر أهمية هذه الممارسة على بعدها الاقتصادي فحسب، بل تشكل أيضًا مصدر دخل لعدد من الأسر بجماعة الدير، وتسهم في الحفاظ على موروث ثقافي يعكس هوية المنطقة وثراءها التراثي، كما تمثل نموذجًا للاستغلال المستدام للموارد الطبيعية بما ينسجم مع خصوصيات المجال القروي.
ويرى متتبعون أن تثمين هذا النشاط التقليدي يستدعي مزيدا من الدعم والمواكبة، سواء من خلال تحسين ظروف الإنتاج والتسويق أو عبر التعريف به كجزء من التراث المحلي، بما يساهم في تعزيز الاقتصاد التضامني وتشجيع السياحة القروية بإقليم تارودانت.
وتظل ملاحات جماعة الدير شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان على التكيف مع محيطه، وتحويل خيرات الطبيعة إلى مورد اقتصادي يحفظ الذاكرة الجماعية ويصون إحدى الحرف التقليدية التي ما تزال تقاوم الاندثار.

