أصدر الكاتب والمفكر المغربي عبد الفتاح لحجمري مؤلفا جديدا بعنوان «حياة تمشي على رؤوس أصابعها.. أساطير صغيرة من مسافة نصف خطوة» عن منشورات دار أبي رقراق، يقدم من خلاله قراءة فلسفية للحياة اليومية، انطلاقا من تفاصيلها البسيطة التي غالبا ما تمر دون انتباه، محاولا الكشف عما تختزنه من دلالات تتصل بالذات والذاكرة والزمن.
ويرتكز الكتاب على فكرة أن الوقائع العابرة والعادات المألوفة ليست مجرد أحداث متكررة، بل فضاءات غنية بالمعاني، إذ تتحول عناصر مثل الحركة والصمت والظل واللقاءات اليومية إلى مدخل للتأمل في طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم من حوله.
ويقترح لحجمري مقاربة تجعل من تفاصيل الحياة اليومية موضوعا للتفكير الفلسفي، معتبرا أن التجربة الإنسانية لا تصنعها الأحداث الكبرى وحدها، بل تتشكل أيضا من المواقف الصغيرة التي تساهم في بناء الوعي وصياغة العلاقة بالآخر وبالزمن.
ولا يقف المؤلف عند حدود التأمل في اليومي، بل يتناول ما يسميه بـ”الأساطير الصغيرة” التي تصوغ المخيال المعاصر، متوقفا عند تأثير الصورة والإعلانات ومنصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الخطابات المرتبطة بالنجاح والسعادة والجسد، باعتبارها منظومات رمزية تعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته ولواقعه.
ومن خلال هذه الرؤية، يثير الكتاب تساؤلات حول كيفية تشكل المعنى داخل الحياة اليومية، والحدود الفاصلة بين الواقع والصور الذهنية التي تنتجها الثقافة المعاصرة، مبرزا أن أبسط التفاصيل قد تكشف عن تحولات عميقة تمس الفرد والمجتمع.
ويضم الإصدار مجموعة من النصوص التي تمزج بين التأمل الفلسفي والكتابة الأدبية، بأسلوب يعتمد على ملاحظة الجزئيات واستنطاقها، بعيدا عن القضايا الصاخبة، انطلاقا من قناعة مفادها أن الحياة اليومية تظل مجالا مفتوحا للتفكير وإعادة اكتشاف الذات.
وفي مقدمة الكتاب، يؤكد لحجمري أن الفكر لا ينفصل عن تفاصيل العيش اليومي، بل يختبئ داخلها، موضحا أن كل عادة أو حركة متكررة تحمل إشارات عن الزمن والهوية وطبيعة الإنسان، وهي إشارات لا تنكشف إلا لمن يمتلك حس التأمل والانتباه.
ويواصل هذا المؤلف اهتمام عبد الفتاح لحجمري بالقضايا الفكرية والثقافية، مقدما رؤية تجعل من اليومي مدخلا لفهم التحولات التي يعرفها الإنسان المعاصر، في عالم تتسارع فيه الإيقاعات وتتعدد فيه الصور والخطابات المؤثرة في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.

