دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المغربية المقبلة مرحلة جديدة بعد انتهاء الجولة الأولى من اللقاءات السياسية، وسط تعدد الصيغ الممكنة لبناء الأغلبية البرلمانية التي ستقود الحكومة خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2031.
ويتصدر حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً، موقع التفاوض، بعدما أجرى لقاءات مع عدد من الأحزاب الممثلة في مجلس النواب، في وقت حسم فيه حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار تموقعهما في المعارضة. وتمنح الخريطة البرلمانية الجديدة هامشاً واسعاً أمام رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري لاختيار التركيبة التي ستؤمن الأغلبية المطلوبة، والمحددة في 198 مقعداً من أصل 395.
الأغلبية الثلاثية.. عودة محتملة للتحالف السابق
يبرز ضمن السيناريوهات المطروحة خيار إعادة جمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، وهي الأحزاب التي شكلت إلى جانب بعضها الحكومة السابقة.
وتوفر هذه الصيغة 228 مقعداً، أي بفارق 30 مقعداً عن الأغلبية المطلقة، ما يمنح الحكومة قاعدة برلمانية مريحة دون الحاجة إلى توسيع الائتلاف ليشمل أطرافاً إضافية. ويضع هذا السيناريو الأحزاب الثلاثة أمام إمكانية مواصلة العمل المشترك، مع اختلاف موازين القوى هذه المرة، بعدما تصدر “البام” نتائج الانتخابات بـ97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال.
في المقابل، فإن اعتماد هذه الصيغة سيُبقي عدداً من الأحزاب خارج الحكومة، من بينها قوى برلمانية وازنة، ما سيمنح المعارضة تركيبة مختلفة عن الولاية السابقة.
ائتلاف موسع يضم الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي
من بين الصيغ الحسابية الأخرى المطروحة، تشكيل حكومة تجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وبالاستناد إلى النتائج النهائية، فإن هذه المكونات تتوفر مجتمعة على 218 مقعداً، أي بهامش يبلغ 20 مقعداً فوق العتبة المطلوبة.
وتسمح هذه الصيغة بتوسيع قاعدة الحكومة لتشمل أحزاباً لم تكن ضمن التركيبة الحكومية السابقة، بما قد يفتح المجال أمام توزيع أوسع للمسؤوليات الحكومية وإدماج تصورات سياسية مختلفة في البرنامج الحكومي.
صيغة حكومية من دون “الأحرار”
وتطرح الحسابات البرلمانية أيضاً إمكانية تشكيل ائتلاف يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، من دون التجمع الوطني للأحرار.
وتوفر هذه الأحزاب مجتمعة 217 مقعداً، أي بفارق 19 مقعداً عن الأغلبية المطلقة.
وفي حال اعتماد هذا الخيار، سينتقل التجمع الوطني للأحرار إلى صفوف المعارضة بعد حضوره القوي في الحكومة السابقة، بينما ستتولى الأحزاب الأربعة تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة.
ويمنح هذا السيناريو للحكومة قاعدة برلمانية تتجاوز العتبة الدستورية المطلوبة، مع تركيبة سياسية مختلفة عن الائتلاف الذي قاد الحكومة خلال الولاية السابقة.
إخراج الاستقلال من الأغلبية
سيناريو آخر يقوم على جمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري.
وتصل حصيلة هذه الأحزاب إلى 209 مقاعد، أي بفارق 11 مقعداً عن الأغلبية المطلقة.
وتُبقي هذه الصيغة على مشاركة “الأحرار” و“البام” في الحكومة، مقابل انتقال حزب الاستقلال، الذي حصل على 65 مقعداً، إلى المعارضة.
غير أن هذا الخيار يظل قائماً على أغلبية عددية محدودة نسبياً مقارنة بالصيغة الثلاثية الأولى، وهو ما يجعل الحسابات السياسية والتوافق حول البرنامج الحكومي عاملاً حاسماً إلى جانب مجرد جمع المقاعد.
تحالف يجمع الاستقلال والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية
وتبرز كذلك صيغة أخرى تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، بمجموع 227 مقعداً وفق الحساب الفعلي للمقاعد النهائية.
ويجمع هذا السيناريو بين أحزاب ذات مرجعيات وتجارب سياسية مختلفة، مع الاحتفاظ بقاعدة برلمانية تتجاوز بشكل واضح عتبة الأغلبية المطلقة.
وتبقى إمكانية إدماج أحزاب إضافية في مثل هذه الصيغة مرتبطة بمسار المشاورات وبطبيعة التفاهمات التي ستُبرم حول البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات.
حضور التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي
ومن بين الصيغ التي تبرز في النقاش السياسي أيضاً إمكانية إدماج التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي إلى جانب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار.
وتحصل هذه الأحزاب مجتمعة على 208 مقاعد، ما يتيح تجاوز الأغلبية المطلقة بـ10 مقاعد.
ويتميز هذا الخيار بضم مكونات ذات توجهات سياسية واجتماعية مختلفة، وهو ما قد ينعكس على طبيعة البرنامج الحكومي المقبل، خصوصاً في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية.
لكن محدودية الهامش العددي مقارنة ببعض الصيغ الأخرى تجعل توسيع الأغلبية أو ضمان درجة عالية من الانسجام السياسي أحد عناصر النقاش المرتقب حول هذه الصيغة.
الأرقام وحدها لا تحسم تشكيل الحكومة
ورغم تعدد السيناريوهات الحسابية، فإن تشكيل الحكومة لن يتوقف على جمع المقاعد فقط، إذ ستفرض المفاوضات التوافق حول البرنامج الحكومي وطبيعة الأولويات المقبلة، إلى جانب توزيع المسؤوليات والحقائب الوزارية.
وتؤكد نتائج الانتخابات النهائية أن الأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار على 66، والاستقلال على 65، فيما حصد العدالة والتنمية 54، والحركة الشعبية 29، والاتحاد الاشتراكي 26، والتقدم والاشتراكية 19، والاتحاد الدستوري 17 مقعداً.
ومع حسم العدالة والتنمية وتحالف اليسار موقعهما في المعارضة، تتجه الأنظار إلى بقية الأحزاب ومدى استعدادها لدخول الأغلبية، في وقت تواصل فيه رئيسة الحكومة المكلفة مشاوراتها لتحديد ملامح الائتلاف الذي سيدبر المرحلة السياسية المقبلة.
ويبقى الرهان الأساسي أمام “البام” وحلفائه المحتملين هو تشكيل أغلبية قادرة على ضمان الاستقرار التشريعي، وتفادي تشتت المكونات الحكومية، مع ترجمة الوعود الانتخابية إلى برنامج حكومي موحد للفترة الممتدة إلى سنة 2031.

