أظهرت دراسة زراعية مغربية إمكانية الاستفادة من مياه معاصر الزيتون في دعم نمو وإنتاج بعض أصناف القمح الصلب والشعير، شريطة إخضاعها للمعالجة أو تخفيفها وفق تراكيز محددة، في خطوة قد تفتح المجال أمام تثمين هذه المخلفات ضمن توجهات الاقتصاد الدائري.
ونشرت مجلة Ecological Frontiers نتائج البحث، الذي قارن بين تأثير مياه المعاصر بعد معالجتها، والمياه غير المعالجة بعد تخفيفها بدرجات مختلفة، إلى جانب معاملات مرجعية شملت الشاهد والتسميد المعدني.
وتكتسي هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى حجم إنتاج زيت الزيتون وما يرافق عمليات العصر من كميات من المياه الغنية بالمادة العضوية، والتي يشكل التخلص منها تحدياً بيئياً بسبب تركيبتها الكيميائية.
مياه المعاصر.. مورد محتمل ومخاطر تستدعي الحذر
تحتوي مياه معاصر الزيتون على المادة العضوية وعدد من المعادن، ما يجعلها قابلة للتثمين الزراعي من الناحية النظرية. غير أن ارتفاع تركيز المركبات الفينولية ومكونات أخرى قد يجعل استخدامها بشكل مباشر أو بجرعات مرتفعة ضاراً بالنباتات والتربة.
ولهذا، اختبر الباحثون مسارين للاستفادة منها؛ الأول يقوم على معالجة المياه قبل استخدامها، والثاني يعتمد على تخفيف المياه غير المعالجة إلى تراكيز مختلفة.
وشملت التجربة ثمانية أصناف مغربية من الشعير والقمح الصلب، مع مراقبة مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالنمو والصفات الفيزيولوجية والأداء الزراعي، إضافة إلى وزن ألف حبة.
تركيز 25 في المائة برز ضمن أفضل المعاملات
أظهرت النتائج أن استخدام مياه المعاصر بعد معالجتها ساهم في تحسين عدد من المؤشرات المدروسة، إلى جانب وزن ألف حبة، بنسب تراوحت، حسب الصنف والمؤشر، بين 77 و144 في المائة مقارنة بالشاهد المعتمد في التجربة.
أما بالنسبة للمياه غير المعالجة بعد تخفيفها، فقد برز تركيز 25 في المائة ضمن المعاملات الأكثر إيجابية، حيث سجلت بعض المؤشرات تحسناً تراوح بين 92 و122 في المائة مقارنة بالمعاملة المرجعية.
وعند تحليل النتائج حسب نوع المحصول، تراوح التحسن في بعض مؤشرات الأداء الزراعي لدى الشعير بين 59 و182 في المائة، بينما سجل القمح تحسناً تراوح بين 83 و114 في المائة.
ولا تعني هذه النتائج إمكانية تعميم النسب نفسها على الإنتاج الزراعي بالمغرب، إذ ترتبط بتجربة محددة أجريت على أصناف ومعاملات وظروف مضبوطة.
كما بينت الدراسة أن زيادة تركيز مياه المعاصر لا تعني بالضرورة الحصول على نتائج أفضل، ما يجعل تحديد الجرعة المناسبة وطريقة المعالجة عاملين أساسيين لتفادي التأثيرات السلبية المحتملة على النباتات والتربة.
من مخلف بيئي إلى مورد في الاقتصاد الدائري
تمنح نتائج الدراسة تصوراً إضافياً حول إمكانية إدماج مياه معاصر الزيتون ضمن نماذج الاقتصاد الدائري، من خلال معالجة هذه السوائل واسترجاع بعض مكوناتها للاستفادة منها في المجال الزراعي بدل التعامل معها فقط كنفايات.
وقد يساهم هذا التوجه مستقبلاً في تقليص جزء من الاعتماد على الأسمدة الاصطناعية، لكن ذلك يبقى مرتبطاً بإثبات فعالية التقنية وسلامتها على المدى الطويل، خصوصاً في ما يتعلق بتراكم المركبات في التربة وتأثيرها على المياه الجوفية.
وتحتاج هذه الإمكانية إلى تجارب ميدانية أطول لتقييم تكاليف المعالجة والنقل والتخزين، فضلاً عن دراسة تأثير الاستخدام المتكرر على خصوبة التربة وملوحتها وجودة الموارد المائية.
وتخلص الدراسة إلى أن مياه معاصر الزيتون يمكن أن تمثل مورداً قابلاً للتثمين الزراعي عند معالجتها أو تخفيفها بالشكل المناسب، بينما لا تدعم نتائج البحث استعمال المياه الخام مباشرة في الحقول دون ضوابط ومعالجة ملائمة.

