أعاد التوجه نحو تشغيل المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، إلى جانب إطلاق مشروع الميناء الجديد «طنجة المتوسط 3»، النقاش حول الدور الذي باتت تضطلع به البنيات المينائية في دعم الاقتصاد المغربي وتعزيز قدرته على المنافسة دوليا. ويرتبط الرهان، وفق تحليل خبيرين اقتصاديين، بتطوير الصادرات، وجذب الاستثمارات الصناعية، وتوسيع فرص الشغل، فضلا عن توجيه النشاط الاقتصادي نحو جهات تتجاوز المراكز التقليدية.
وتأتي هذه المشاريع في سياق توجه يروم تعزيز البنية اللوجستية للمملكة، وتوفير منافذ بحرية قادرة على مواكبة توسع المبادلات التجارية واحتياجات المستثمرين، مع الاستفادة من التجربة التي راكمها ميناء طنجة المتوسط في ربط الصناعة الوطنية بالأسواق العالمية.
الموانئ والتصدير.. تكامل ضروري
يرى يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن تطور التجارة العالمية يفرض على المغرب مواصلة الاستثمار في البنيات البحرية والملاحية، باعتبارها حلقة أساسية في حركة السلع بين الأسواق.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن انفتاح المملكة على الأسواق الآسيوية وتزايد اهتمام المستثمرين الأجانب بالإنتاج داخل المغرب يستدعيان موانئ ذات طاقة استيعابية مهمة وتجهيزات تكنولوجية متطورة، قادرة على تلبية حاجيات الأنشطة الصناعية والتجارية.
وأشار إلى أن هذه المنشآت تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباطها بمناطق التسريع الصناعي، التي يتجه جزء كبير من إنتاجها إلى الخارج، مبرزا أن الصادرات قد تمثل أكثر من 75 في المائة من رقم معاملات الأنشطة الصناعية بهذه المناطق، وفق تقديره. وهو ما يجعل كفاءة الخدمات المينائية واللوجستية عاملا مؤثرا في كلفة النقل وسرعة إيصال المنتجات إلى الأسواق الدولية.
غير أن كراوي الفيلالي شدد على أن الاستثمار في الموانئ وحده لا يكفي لتحقيق النتائج المنتظرة، إذ يتعين أن يواكبه تأهيل المقاولات المغربية ورفع إنتاجيتها وجودة منتجاتها، حتى تتمكن من استغلال هذه البنيات وتوسيع حضورها في الأسواق الخارجية، بدل اقتصار الاستفادة منها على الشركات الأجنبية.
تقوية الصادرات لتخفيف العجز التجاري
ربط رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير بين تطوير البنيات المينائية والحاجة إلى تعزيز الصادرات الوطنية، معتبرا أن تحسين تنافسية المنتجات المغربية يمكن أن يساعد على تقليص الفجوة بين الواردات والصادرات.
وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يستلزم الجمع بين تطوير النقل البحري والخدمات اللوجستية، من جهة، وتحسين قدرات الإنتاج لدى المقاولات الوطنية، من جهة أخرى، بما يسمح بتوفير سلع تستجيب لمتطلبات الأسواق الدولية من حيث الجودة والكلفة.
وفي هذا الإطار، طرح الخبير إمكانية خفض العجز التجاري من مستويات تقارب 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام إلى نحو 10 في المائة خلال خمس سنوات، مؤكدا أن بلوغ هذا المستوى يظل رهينا بتكامل السياسات الصناعية والتجارية واللوجستية، وبقدرة الشركات المغربية على توسيع صادراتها.
وأضاف أن الموانئ المتطورة يمكن أن توفر الشروط الضرورية لنقل السلع بكفاءة، لكنها لا تعوض الحاجة إلى نسيج اقتصادي وطني قادر على الإنتاج والتنافس والتوسع في الأسواق الخارجية.
الاستثمار خارج المحاور الاقتصادية التقليدية
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد جدري أن المشاريع المينائية الجديدة تندرج ضمن توجه تنموي يرمي إلى توسيع القاعدة الإنتاجية للمملكة وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، بما ينسجم مع أهداف النموذج التنموي الجديد.
وأوضح جدري أن المغرب يسعى إلى رفع الناتج الداخلي الخام من حوالي 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار بحلول سنة 2035، وهو طموح يتطلب، بحسبه، استقطاب استثمارات جديدة وتوسيع الأنشطة الصناعية والإنتاجية.
وشدد على أن حجم الاستثمارات ليس العامل الوحيد المحدد لأثرها الاقتصادي، بل إن توزيعها الجغرافي يكتسي أهمية مماثلة، في ظل الحاجة إلى تجاوز تمركز الأنشطة الاقتصادية في محور طنجة والمناطق المحيطة به، وتوجيه جزء من الدينامية الاستثمارية نحو جهات أخرى تتوفر على مؤهلات واعدة.
وفي هذا السياق، أشار إلى مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُنتظر أن يعزز جاذبية الأقاليم الجنوبية للاستثمارات، ويوفر منفذا إضافيا للتبادل التجاري مع دول غرب إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء.
كما أبرز أهمية ميناء الناظور غرب المتوسط في تحفيز النشاط الاقتصادي بجهة الشرق، من خلال توفير منصة لوجستية على البحر الأبيض المتوسط تتيح للمستثمرين تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير وتقليص الإكراهات المرتبطة بنقل البضائع.
الناظور غرب المتوسط.. أدوار صناعية وطاقية
أكد جدري أن توفر بنية مينائية فعالة يعد من العناصر التي تؤثر في قرارات المستثمرين الصناعيين، بالنظر إلى حاجتهم إلى نقل المواد الأولية وتسويق المنتجات في ظروف تنافسية. وقد يؤدي غياب هذه البنية إلى الحد من جاذبية مناطق تتوفر، رغم ذلك، على أراضٍ وإمكانات صناعية مهمة.
واعتبر أن تجربة طنجة المتوسط توفر للمغرب خبرة يمكن الاستفادة منها في تطوير مشاريع أخرى، بالنظر إلى الدور الذي أداه الميناء في دعم صناعة السيارات وتعزيز ارتباطها بالأسواق الدولية، فضلا عن المكانة التي يحتلها ضمن منظومة النقل البحري في حوض المتوسط وعلى الصعيد العالمي.
وبحسب الخبير، فإن الناظور غرب المتوسط لا يقتصر على خدمات الشحن والتصدير والاستيراد، بل يتضمن أيضا بعدا طاقيا يرتبط بالأدوار المنتظرة في مجال المواد النفطية والغاز. ويمكن لتطوير البنيات المرتبطة بالغاز الطبيعي والغاز المسال أن يدعم أمن الإمدادات الطاقية للمملكة، ويوفر شروطا أكثر ملاءمة للصناعات التي تحتاج إلى مصادر طاقة موثوقة وتنافسية.
وأضاف أن نجاح هذه المشاريع يتطلب مراعاة الخصوصيات الاقتصادية لكل منطقة، حتى تتحول المنشآت المينائية إلى أدوات لدعم الإنتاج والاستثمار، وليس مجرد نقاط لعبور البضائع.
أقطاب مينائية لتعزيز التنمية الجهوية
يرى جدري أن تكامل طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، إلى جانب باقي المشاريع المينائية الكبرى، قد يتيح بناء شبكة من الأقطاب الاقتصادية واللوجستية القادرة على توسيع خلق الثروة والقيمة المضافة وتوفير فرص العمل.
غير أن تحقيق هذا الأثر، وفق الخبير، يظل مرتبطا بمواكبة البنيات الجديدة بسياسات صناعية واستثمارية تراعي حاجيات كل جهة، وتعمل على ربط الموانئ بالمقاولات المحلية ومختلف الأنشطة الاقتصادية المحيطة بها.
وأكد أن تقليص الفوارق المجالية يقتضي توسيع فرص الاستثمار والتشغيل خارج المراكز الاقتصادية المعتادة، بما يتيح لجهة الشرق والأقاليم الجنوبية وغيرها الاستفادة من المشاريع الكبرى، عبر إحداث أنشطة إنتاجية وخدمات لوجستية وصناعية مرتبطة بها.
وختم جدري بالتأكيد على أن المعيار الأساسي لنجاح هذه المشاريع يتمثل في قدرتها على إحداث آثار ملموسة في محيطها، سواء من خلال خلق مناصب الشغل أو تحفيز المقاولات المحلية أو تعزيز الاندماج بين النشاط المينائي والاقتصاد الجهوي. فالمردودية التنموية للموانئ لا تقاس فقط بحجم البضائع التي تعبرها، بل أيضا بما تسهم به في توسيع قاعدة الإنتاج وتوزيع فرص التنمية على مختلف مناطق المملكة.

