أكد تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية وخبير القضايا الاستراتيجية، أن موقع الدول داخل النظام الدولي لم يعد يُقاس فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل باتت عناصر القوة الناعمة، وعلى رأسها الثقافة والرياضة، تلعب دوراً محورياً في تعزيز السيادة الوطنية وتحسين موقع الدول في موازين القوى العالمية.
وأوضح الحسيني، خلال مشاركته في برنامج “أبعاد استراتيجية” على موقع هسبريس، أن التحولات التي يعرفها النظام الدولي أفرزت مفهوماً جديداً للقوة، يتجاوز المؤشرات التقليدية المرتبطة بالتسلح والنمو الاقتصادي، ليشمل القدرة على التأثير والإشعاع الثقافي والرياضي، باعتبارهما رافعتين أساسيتين لتعزيز الحضور الدولي وكسب الاعتراف والاحترام داخل المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، توقف المتحدث عند الأداء الذي يقدمه المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، مشيراً إلى أن المواجهة التي جمعته بالمنتخب البرازيلي يوم 13 يونيو شكلت محطة إضافية تؤكد أن الإنجازات الكروية المغربية لم تعد ظرفية أو استثنائية.
وأضاف أن بعض الملاحظات التي اعتبرت بلوغ المغرب نصف نهائي كأس العالم قطر 2022 مجرد “صدفة”، تم تفنيدها من خلال الأداء القوي أمام منتخب البرازيل، أحد أبرز المنتخبات العالمية وأكثرها تتويجاً، ما يعكس تطوراً واضحاً في مستوى الكرة المغربية وقدرتها على منافسة كبار العالم.
وأشار الحسيني إلى أن المنتخب المغربي قدّم شوطاً أول مميزاً فرض فيه أسلوبه، قبل أن يستعيد المنتخب البرازيلي توازنه في الشوط الثاني، لتنتهي المواجهة بنتيجة اعتبرها العديد من المحللين “تعادلاً بطعم الانتصار” بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى قوة الخصم والمستوى التقني المقدم من الطرفين.
كما أبرز أن الإشادة التي صدرت عن المدرب كارلو أنشيلوتي تحمل دلالات مهمة، خاصة عندما وصف المنتخب المغربي بأنه أفضل منتخب إفريقي في التاريخ واعتبره مدرسة كروية قائمة بذاتها، مؤكداً أن هذا التقييم يستند إلى الأرقام والنتائج وليس إلى المجاملة.
وأوضح أن المغرب هو المنتخب الإفريقي والعربي الوحيد الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم، متفوقاً على منتخبات كبرى، وهو ما يعزز مكانته ضمن النخبة الكروية العالمية.
واعتبر الحسيني أن هذا المسار ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات وإنجازات متواصلة شملت مختلف الفئات العمرية، إلى جانب تطور التصنيف الدولي للمنتخب الوطني، ما يعكس دينامية إيجابية في المنظومة الكروية المغربية.
وشدد على أن هذه النجاحات الرياضية تتجاوز بعدها الترفيهي، لتتحول إلى عنصر من عناصر القوة الاستراتيجية للدولة، تسهم في تعزيز صورتها الدولية ورفع جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، وتقوية روح الانتماء لدى المواطنين.
وخلص الحسيني إلى أن التجربة المغربية تؤكد أن الرياضة يمكن أن تتحول إلى رافعة استراتيجية حقيقية، شريطة إدماجها ضمن رؤية وطنية شاملة تقوم على الاستثمار في الإنسان وتكامل السياسات العمومية، بما يعزز مكانة المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي.
