اعتبر أستاذان للعلاقات الدولية والعلوم السياسية أن تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تطلعه إلى العمل مع المغرب لضمان أمن منطقة الساحل، يعكس إدراكا أمريكيا متناميا لدور المملكة باعتبارها شريكا قادرا على الإسهام في إدارة تحديات المنطقة، بفضل خبرتها في مكافحة الإرهاب وشبكة شراكاتها الإفريقية، وذلك في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها هذه الرقعة من القارة.
وجاء هذا الموقف ضمن برقية تهنئة بعثها ترامب إلى الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى عيد العرش، أكد فيها أن التزام المغرب المستمر بالعمل من أجل السلام ومكافحة التطرف وحماية أمن الأمريكيين والمغاربة، بما في ذلك دوره المحوري في اتفاقيات أبراهام، يعكس شراكة ذات قيمة بالنسبة للولايات المتحدة، مضيفا أن البلدين سيعملان معا لضمان أمن منطقة الساحل.
“حائط نار وظيفي”
أوضح محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، أن رسالة الرئيس الأمريكي تربط بشكل صريح بين ثلاثة ملفات: الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، ودعم مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد، والشراكة الأمنية المشتركة في منطقة الساحل.
وقال بوبوش، في تصريح لهسبريس، إن برقية الرئيس الأمريكي والتحليلات الاستراتيجية تُظهر أن الولايات المتحدة تنظر إلى المغرب باعتباره “حائط نار وظيفي” وعامل استقرار رئيسي في المنطقة، مشيرا إلى امتلاك المملكة جهازا أمنيا متطورا وخبرة متراكمة في مكافحة التطرف، ما يجعلها شريكا فاعلا في التصدي للتهديدات الإرهابية النابعة من بؤر التوتر في الساحل، مثل تنظيمي “القاعدة” و”داعش”.
وأشار إلى أن التنسيق الأمني والتعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة بلغ مستويات غير مسبوقة، شملت تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتحديث المعدات العسكرية، والمناورات المشتركة الكبرى مثل “الأسد الإفريقي” التي تضم أكثر من 40 دولة، مؤكدا أن المغرب تجاوز كونه شريكا منفذا للعمليات ليصبح دولة رائدة في تدريب قوات الأمن من دول إفريقيا جنوب الصحراء باستخدام برامج ذات مصادر أمريكية، وهو ما يخفف العبء المباشر عن واشنطن ويمكّن الشركاء المحليين.
من الملفات الثنائية إلى إدارة الأمن الإقليمي
من جهتها، أكدت سمر الخمليشي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن اللافت في برقية ترامب أنه لم يكتف بالإشارة إلى قضية الصحراء المغربية وتأكيد الدعم الأمريكي لها، بل ربط الشراكة مع المغرب بأمن الساحل، وهو ما يعكس، في نظرها، انتقال العلاقات المغربية الأمريكية من التركيز على الملفات الثنائية إلى التعاون في إدارة الأمن الإقليمي.
وأضافت أن هذا الربط يؤشر أيضا إلى كون واشنطن ترى في المغرب منصة للاستقرار في غرب إفريقيا والساحل، خصوصا في ضوء المبادرات التي أطلقها المغرب تجاه الدول الإفريقية الأطلسية ودول الساحل، مشددة على وجود إدراك أمريكي للدور المتنامي للمملكة باعتبارها فاعلا أمنيا موثوقا في القارة، بفضل مقاربتها التي تربط بين الأمن والتنمية، وخبرتها في مكافحة الإرهاب والتطرف، وشبكة شراكاتها مع دول القارة.
إعادة تعريف الأدوار في الساحل
وفكك بوبوش السياق الإقليمي الذي وردت فيه دعوة ترامب، واضعا إياها ضمن مسار إعادة تعريف أدوار الفاعلين في منطقة الساحل، خاصة بعد الانسحاب الفرنسي النسبي، وتصاعد النفوذ الروسي عبر مجموعات مثل “فاغنر” سابقا أو هياكلها البديلة، والانقلابات المتتالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي عوامل دفعت واشنطن، بحسبه، إلى البحث عن شريك موثوق ومستقر وغير عسكري بشكل مباشر، ينطبق وصفه على المغرب.
واعتبر أن الشراكة في الساحل تمثل امتدادا لمنطق “اتفاقيات أبراهام”، القائم على ربط التطبيع والأمن والاستقرار في حزمة واحدة، موازاة مع رهان واشنطن على دور مغربي في معالجة الفراغ الأمني الحقيقي بالمنطقة، التي تشهد تمددا لجماعات جهادية مرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش”، إلى جانب شبكات تهريب البشر والمخدرات والأسلحة.
كما استحضر بوبوش في تحليله تراجع الوجود العسكري الأمريكي في دول الساحل، ورهان واشنطن على مواجهة تنامي النفوذ الروسي والصيني والإيراني في المنطقة، معتبرا أن هذه العوامل تدفع الولايات المتحدة إلى تعزيز شراكتها مع المغرب كحليف قادر على حماية مصالحها ومنع تحول المنطقة إلى ملاذ آمن لهذه القوى المنافسة.

