دعا المؤرخ محمد معروف الدفالي إلى إعادة النظر في استعمال مفهوم “الاستعمار” عند الحديث عن فترة الحماية الفرنسية والإسبانية بالمغرب، معتبرا أن الخلط بين مفهومي “الحماية” و”الاستعمار” لا يعكس بدقة السياق التاريخي الذي عاشته المملكة بين سنتي 1912 و1956.
وجاءت مداخلة الدفالي خلال أشغال الملتقى الوطني الثاني للمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، المنظم بشراكة مع الجمعية المغربية للبحث التاريخي تحت عنوان “استقلال المغرب: الذاكرة والتاريخ”، حيث ناقش عددا من السرديات التاريخية المرتبطة بمرحلة الاستقلال.
وأوضح الباحث أن مصطلح “الاستعمار” استُخدم على نطاق واسع في الخطاب الوطني خلال فترة الحماية، لكنه كان يحمل بعدا مجازيا أكثر منه توصيفا قانونيا، مؤكدا أن نظام الحماية يختلف عن الاستعمار المباشر، باعتبار أن المغرب احتفظ آنذاك بمؤسساته وسيادته الشكلية في إطار معاهدة دولية.
وأشار الدفالي إلى أن فهم طبيعة تلك المرحلة يقتضي العودة إلى مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء، الذي نص على الحفاظ على وحدة الدولة المغربية واستمرار مؤسساتها، معتبرا أن الحركة الوطنية ناضلت أساسا ضد محاولات تحويل نظام الحماية إلى استعمار فعلي.
وانتقد المؤرخ التقسيم التقليدي لمسار الحركة الوطنية بين مرحلة المطالبة بالإصلاح ومرحلة المطالبة بالاستقلال، معتبرا أن الحد الفاصل بين المرحلتين لم يكن واضحا، وأن الدعوات إلى الإصلاح والاستقلال تداخلت في أكثر من محطة تاريخية.
كما توقف عند عدد من المحطات المرتبطة بالمطالبة بالاستقلال، مشيرا إلى وجود مذكرات ووثائق سبقت وثيقة 11 يناير، إضافة إلى مساهمة عدة تيارات سياسية في المطالبة بإنهاء الحماية واسترجاع السيادة الوطنية.
وفي السياق ذاته، اعتبر الدفالي أن مؤتمر إيكس ليبان حمل أكثر مما يحتمل في كثير من القراءات التاريخية، موضحا أنه شكل لقاءات استشارية أكثر منه مفاوضات حاسمة، بينما كان الدور الأساسي في مسار الاستقلال مرتبطا بعودة السلطان محمد الخامس واستئناف المفاوضات مع السلطات الفرنسية.
من جهته، أكد عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، أن استقلال المغرب يمثل محطة مفصلية في تاريخ الأمة، جاءت ثمرة تضحيات المقاومة الوطنية والعرش والشعب، قبل أن تتواصل جهود استكمال الوحدة الترابية خلال العقود اللاحقة.
بدوره، شدد رحال بوبريك، مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، على أهمية إخضاع مرحلة الاستقلال لقراءات علمية جديدة بعيدا عن الأحكام المسبقة، داعيا إلى تطوير البحث الأكاديمي واستكشاف الجوانب التي لم تحظ بالدراسة الكافية.
من جانبه، اعتبر عبد الكريم مدون، رئيس الجمعية المغربية للبحث التاريخي، أن مرور سبعين سنة على استقلال المملكة يفرض إعادة قراءة هذه المرحلة التاريخية بمنهجية علمية تجمع بين الذاكرة الجماعية والبحث الأكاديمي، بما يساهم في إغناء المعرفة بتاريخ المغرب وتطوير الدراسات التاريخية.

