الذكاء الاصطناعي يعيد إشعال الجدل حول توزيع الثروة وملكية المعرفة
أعاد التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي مسألة توزيع الثروة إلى صدارة النقاش الاقتصادي والسياسي، بعدما اقترح السيناتور الأميركي بيرني ساندرز أن تتخلى الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال عن نصف رأسمالها لفائدة صندوق شعبي، انطلاقا من اعتبار مفاده أن النماذج التي تطورها هذه الشركات تستند إلى تراكم هائل من المعرفة والخبرة البشرية.
ويفتح هذا المقترح نقاشا يتجاوز التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على سوق الشغل، ليطرح سؤالا أوسع يتعلق بالجهة التي ستستفيد من القيمة والثروة الناتجتين عن هذه الثورة التكنولوجية.
وكان ساندرز قد قدم مقترحه في يونيو الماضي، واضعا ملكية الشركات والعائدات التي تحققها في صلب النقاش. غير أن الكاتب والباحث إيفغيني موروزوف يرى أن تقاسم العائدات المالية وحده لا يكفي لمعالجة طبيعة العلاقة الجديدة بين المجتمع والذكاء الاصطناعي، معتبرا أن المعرفة والخبرة التي يساهم المستخدمون في إنتاجها ينبغي أن تعود بدورها إلى المجتمع في شكل قدرة جماعية قابلة للتراكم والاستعمال.
وفي مقال نشرته “لوموند ديبلوماتيك” ضمن عدد غشت الجاري، استحضر موروزوف واقعة تعود إلى يوليوز 2024 بمدينة أومسكيرك في مقاطعة لانكشاير الإنجليزية، حين تلقى لورين كول غرامة بقيمة 60 جنيها إسترلينيا من شركة متخصصة في إدارة مواقف السيارات. ولجأ الرجل إلى ChatGPT لمساعدته في الاعتراض على الغرامة، لينتهي النزاع بحكم لصالحه وتعويض بلغ 462 جنيها إسترلينيا.
من تقاسم الأرباح إلى تقاسم المعرفة
يرى موروزوف أن هذه الواقعة، رغم بساطتها، تعكس تحولا مهما في قدرة الأفراد على التعامل مع قضايا قانونية وإدارية كانت تتطلب في السابق الاستعانة بخبرات متخصصة.
وينطبق الأمر ذاته، بحسب الكاتب، على مستأجرين يخوضون نزاعات مع ملاك العقارات، ومهاجرين يعترضون على قرارات إدارية، ومرضى يواجهون شركات التأمين، إذ تتيح لهم أدوات الذكاء الاصطناعي الوصول بسرعة إلى معلومات وصيغ وحجج يمكن أن تساعدهم في الدفاع عن مصالحهم.
لكن تجربة كول تكشف أيضا عن أحد حدود هذه الأدوات. فمع استفادة المستخدم من التجربة، لا تنتقل المعرفة التي اكتسبها تلقائيا إلى شخص آخر يواجه المشكلة نفسها، بينما تستفيد المنصة من التفاعل وتراكم البيانات والخبرات الناتجة عنه.
ومن هنا يطرح موروزوف سؤالا مركزيا: كيف يمكن تحويل الخبرات التي ينتجها الأفراد أثناء استخدام الذكاء الاصطناعي إلى معرفة جماعية يستفيد منها الجميع؟
ويعتبر الكاتب أن إعادة جزء من الأرباح إلى المجتمع، كما يقترح ساندرز، قد تعالج جانبا من المشكلة، لكنها لا تمنح المواطنين بالضرورة قدرة أكبر على التحكم في الأدوات التي أصبحت تتوسط علاقتهم بالعمل والمؤسسات والمعرفة.
دروس من تجارب ما قبل الذكاء الاصطناعي
لفهم تصوره، يعود موروزوف إلى تجارب تاريخية سبقت ظهور الحواسيب، من بينها حركة “التعليم الشعبي” في السويد، التي ساهمت الحركة العمالية من خلالها في إنشاء حلقات للدراسة ومكتبات وبيوت للشعب، بهدف تمكين العمال من فهم المؤسسات وعلاقات القوة المحيطة بهم.
غير أن هذا التصور تغير تدريجيا، وأصبح التعليم أكثر ارتباطا بتطوير المهارات المطلوبة في سوق العمل وبمفهوم “رأس المال البشري”.
كما يستحضر الكاتب تجربة الطبيب إيفار أودوني في مصانع شركة “فيات” بمدينة تورينو الإيطالية خلال ستينيات القرن الماضي، حين تعاون مع العمال لرصد مصادر المخاطر الصحية داخل المصانع، من الغبار والأبخرة إلى ظروف العمل والآلات المستخدمة.
وخلال هذه التجربة، اكتشف أودوني أن جزءا كبيرا من معرفة العمال لا يوجد في الوثائق الرسمية، بل يتجسد في مهارات عملية وحيل صغيرة تراكمت عبر سنوات من العمل.
ومن أجل تحويل هذه الخبرة إلى معرفة قابلة للنقل، ابتكر طريقة أطلق عليها “تعليمات للبديل”، تقوم على مطالبة العامل بتخيل شخص سيحل محله في اليوم التالي، ثم شرح كل ما يحتاج إليه حتى يتمكن من أداء العمل بكفاءة.
ويرى موروزوف أن هذه الفكرة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسع نطاقها بشكل غير مسبوق، عبر جمع الخبرات الفردية وتحويلها إلى معرفة مشتركة.
عندما تتحول الخبرة إلى ذاكرة جماعية
امتدت بعض آثار تجربة أودوني إلى فرنسا، حيث استخدم أطباء في محيط مصفاة فوس سور مير نظاما يقوم على تسجيل الحالات المرضية المرتبطة بالأنشطة المهنية داخل قاعدة معرفية تراكمية.
وتمكن تسعة أطباء عامين شاركوا في التجربة من تسجيل عدد من حالات الأمراض المهنية يعادل ما سجله باقي أطباء المنطقة من مختلف التخصصات، قبل أن توضع هذه الذاكرة على الإنترنت سنة 2007 في شكل خريطة للمخاطر والأمراض التي يمكن تفاديها.
غير أن المبادرة توقفت لاحقا، وهو ما يعتبره موروزوف دليلا على أن جمع المعلومات لا يكفي وحده لإحداث تغيير دائم، لأن المعرفة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على استيعابها والحفاظ عليها وتحويلها إلى قرارات وأفعال.
ويستحضر الكاتب أيضا أفكار الفيلسوف البرازيلي ألفارو فييرا بينتو، الذي اعتبر أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تنفصل عن المجتمع، وأن الإنسان يجب أن يظل صاحب القرار بشأن كيفية استخدام الآلات والأهداف التي توظف من أجلها.
ومن هنا يبرز مفهوم “التغذية الراجعة”، أي السؤال المتعلق بما يعود إلى الإنسان بعد أن يضع معرفته وخبرته في الآلة، ومن يستفيد في النهاية من القيمة التي تنتج عن هذه العملية.
“مؤسسات الإيداع” كبديل
يقترح موروزوف في هذا السياق إنشاء ما يسميه “مؤسسات الإيداع”، وهي هيئات تتولى جمع المعرفة والخبرات التي يكتسبها أعضاؤها أثناء تعاملهم مع مختلف المشكلات، ثم تنظيمها وتصحيحها وتراكمها وإتاحتها لباقي الأعضاء.
ويقدم الكاتب مثالا باتحاد للمستأجرين يمكنه الاحتفاظ بخلاصة القضايا التي خاضها أعضاؤه والنتائج التي توصلوا إليها، بحيث لا يضطر المستأجر الجديد إلى البدء من الصفر، بل يستفيد من تجارب مئات الأشخاص الذين سبقوه.
ويمكن، وفق هذا التصور، للمدارس والنقابات والمكتبات وجمعيات المستأجرين ومراكز استقبال المهاجرين أن تتحول إلى فضاءات لتجميع المعرفة الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، يمكن للحجج القانونية الناجحة، والتعليمات المفيدة، وطرق التعامل مع الإجراءات الإدارية المعقدة أن تنتقل من الحسابات الشخصية للمستخدمين إلى ذاكرة جماعية يستفيد منها الآخرون ويطورونها.
ثروة الذكاء الاصطناعي ليست مالية فقط
ويبرز هنا اختلاف بين مستويين من التفكير في توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي.
الأول اقتصادي، يقوم على إعادة جزء من الأرباح والقيمة التي تحققها شركات التكنولوجيا إلى المجتمع، وهو الاتجاه الذي يعكسه مقترح ساندرز بإنشاء صندوق يمتلك حصصا في الشركات الكبرى.
أما الثاني، فيركز على المعرفة والخبرة، ويسعى إلى ضمان أن ما ينتجه المستخدمون من تجارب وحلول أثناء تعاملهم مع الذكاء الاصطناعي لا يبقى محصورا داخل المنصات الخاصة، بل يتحول إلى رصيد جماعي يمكن للمجتمع الاستفادة منه.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل والخدمات والإدارة والاستشارات، تتزايد كمية المعرفة التي تنتجها التفاعلات اليومية بين البشر والأنظمة الذكية.
وبذلك، لم يعد النقاش مقتصرا على الوظائف التي يمكن أن تتغير أو الأرباح التي ستحققها الشركات، بل أصبح مرتبطا أيضا بمن يملك المعرفة المتراكمة وكيفية إعادة توزيعها.
وفي الوقت الذي يدعو فيه ساندرز إلى تقاسم جزء من ملكية شركات الذكاء الاصطناعي وثرواتها، يقترح موروزوف بناء مؤسسات قادرة على حفظ المعرفة الجماعية وإعادة توزيعها.
وبين النموذجين، يتشكل نقاش أوسع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، لا باعتباره مجرد أداة تقنية أو مصدرا جديدا للأرباح، بل باعتباره منظومة قد تعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والثروة والقوة داخل المجتمع.

