يخلد المغرب، يوم الاثنين 10 غشت 2026، اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، المعروف بـ”اليوم الوطني للمهاجر”، وهي مناسبة سنوية أُقرت سنة 2003 بمبادرة ملكية سامية، بهدف توطيد صلة مغاربة العالم بوطنهم، والإنصات إلى انتظاراتهم، وتثمين إسهاماتهم الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية.
ومنذ إحداثه، أصبح هذا اليوم إطارا مؤسساتيا للتواصل المباشر مع أفراد الجالية، والاعتراف بدورهم في التنمية الوطنية والدفاع عن المصالح العليا للمملكة، فضلا عن الحقوق التي كرسها لهم دستور 2011، لا سيما ضمن الفصول 16 و17 و18 و163.
سوس ماسة.. ارتباط يتجاوز موسم الصيف
تكتسي هذه المناسبة أهمية خاصة بجهة سوس ماسة، بالنظر إلى الارتباط القوي لعدد كبير من أسر المنطقة بأبنائها المقيمين في مختلف دول العالم، وهو ارتباط يظهر في الزيارات الصيفية، والتحويلات المالية، والاستثمارات العقارية والتجارية، ودعم الأسر، وتمويل المبادرات الاجتماعية والتضامنية داخل المدن والقرى.
غير أن مساهمة مغاربة العالم لا ينبغي اختزالها في موسم صيفي أو تحويلات مالية فقط، إذ تتوفر الجالية أيضا على كفاءات علمية ومهنية، وتجارب دولية، وشبكات اقتصادية يمكن أن تمنح دفعة قوية لتنمية أكادير وإنزكان وآيت ملول واشتوكة آيت باها وتارودانت وتيزنيت وطاطا.
تحويلات تؤكد الثقل الاقتصادي
تكشف الأرقام الوطنية عن المكانة المحورية لمغاربة العالم في الاقتصاد المغربي، إذ بلغت تحويلاتهم المالية نحو 50,22 مليار درهم خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، مقابل 46,16 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025، مسجلة ارتفاعا بنسبة 8,8 في المائة، وفق مكتب الصرف.
وتؤكد هذه الأرقام قوة الارتباط بالوطن، لكنها تفرض في المقابل سؤالا أساسيا حول كيفية الانتقال من تحويلات موجهة أساسا إلى الاستهلاك ومساعدة الأسر، إلى استثمارات منتجة تخلق فرص الشغل وتدعم الاقتصاد الجهوي، باعتبار أن مغاربة العالم ليسوا مجرد مصدر للعملة الصعبة، بل يمثلون رأسمالا بشريا واقتصاديا وعلميا قادرا على نقل المعرفة والتكنولوجيا والخبرات، وربط المقاولات المحلية بالأسواق الدولية.
فرص استثمارية متعددة بالجهة
تتوفر سوس ماسة على إمكانات كبيرة في الفلاحة والصناعات الغذائية والصيد البحري والسياحة والصناعة التقليدية والخدمات والاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة، وهي قطاعات تتيح فرصا حقيقية لاستثمارات أبناء الجهة المقيمين بالخارج، سواء عبر مشاريع مباشرة أو شراكات مع المقاولات المحلية.
وقد عرفت سنة 2026 تنظيم الدورة الأولى من “جوائز الاستثمار سوس ماسة”، التي تضمنت فئة خاصة بالمستثمر المغربي المقيم بالخارج، في إشارة إيجابية إلى الاعتراف بدور الجالية في الدينامية الاقتصادية الجهوية. لكن الاحتفاء وحده لا يكفي، إذ يحتاج المستثمر إلى وضوح المساطر، وسرعة معالجة الملفات، ومعلومة دقيقة، ومخاطب إداري محدد، ومواكبة تستمر من بداية المشروع إلى دخوله مرحلة الإنتاج.
بين المبادرات وانتظار النتائج
سبق لجهة سوس ماسة أن انخرطت في مشروع تنزيل سياسات الهجرة على المستوى الجهوي، كما أعلنت أن استراتيجيتها الجهوية تتضمن إحداث مركز للتوجيه والمواكبة لفائدة المهاجرين، ضمن برنامج التنمية الجهوية للفترة 2022-2027. ويبقى الرهان اليوم هو الانتقال من التصورات والبرامج إلى نتائج قابلة للقياس: كم مشروعا لأبناء الجالية جرت مواكبته؟ وكم ملفا إداريا تمت تسويته؟ وكم فرصة شغل أحدثتها استثمارات مغاربة العالم داخل الجهة؟ فأفضل احتفاء بالجالية، بحسب ما يطرحه هذا الملف، ليس تنظيم لقاء ينتهي بانتهاء المناسبة، بل إنشاء آلية جهوية دائمة تستقبل الشكايات والملفات وتتابعها رقميا.
انتظارات إدارية وقانونية مشروعة
ما يزال عدد من أفراد الجالية يواجهون صعوبات مرتبطة بتعدد المتدخلين، وتعقيد بعض المساطر، والملفات العقارية، والتعمير، والاستثمار، والإرث، والضرائب، والحصول على الوثائق الإدارية. وقد سبق للملك محمد السادس أن نبه، في خطاب 20 غشت 2022، إلى العراقيل التي تواجه بعض مغاربة العالم في قضاء أغراضهم الإدارية وإطلاق مشاريعهم، داعيا إلى إقامة علاقة هيكلية دائمة مع الكفاءات المغربية بالخارج، وإحداث آلية خاصة لمواكبة مبادراتهم ومشاريعهم.
الأجيال الجديدة والهوية
لا يقتصر الرهان على الاقتصاد والاستثمار، بل يشمل كذلك أبناء الجيلين الثالث والرابع من مغاربة العالم، إذ يحتاج الحفاظ على صلتهم بالمغرب إلى برامج ثقافية وتربوية مستمرة تتيح لهم اكتشاف تاريخ وطنهم وتنوعه اللغوي والثقافي. وفي سوس ماسة، يمكن للثقافة الأمازيغية والتراث المحلي والجامعات والمهرجانات والبرامج الصيفية أن تشكل جسورا حقيقية لربط الشباب المقيم بالخارج بأصوله، إلى جانب فتح المجال أمامهم للاستفادة من التداريب داخل المؤسسات والمقاولات، والمشاركة في برامج الابتكار والبحث العلمي والعمل التطوعي.
وفي المحصلة، فإن اليوم الوطني للمهاجر يبقى محطة للتقييم والمساءلة والإنصات، لا مجرد مناسبة لتبادل كلمات الترحيب، فيما تبقى سوس ماسة مدعوة إلى تحويل قوة جاليتها وارتباطها التاريخي بالمنطقة إلى شراكة تنموية دائمة، تُستثمر فيها الأموال والخبرات والكفاءات والعلاقات الدولية لخدمة الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل.

