الاقتصاد يعيد رسم موازين القوة في النظام الدولي الجديد
يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة تعكس انتقال العلاقات بين القوى الكبرى نحو مرحلة جديدة، تقوم على تغليب المصالح الاقتصادية وإدارة الخلافات ببراغماتية، بعدما أثبتت النزاعات المفتوحة كلفتها الباهظة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي.
ورغم استمرار التنافس الجيوسياسي، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الدول الكبرى أصبحت تفضل احتواء الخلافات بدل تصعيدها، مع منح الأولوية للتجارة والطاقة والاستثمارات والتكنولوجيا باعتبارها أدوات رئيسية لتعزيز النفوذ الدولي.
وأفرزت الأزمات العالمية الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط، واقعا جديدا دفع الاقتصادات الكبرى إلى إعادة تقييم سياساتها، بعدما تسببت تلك الأزمات في اضطرابات واسعة بأسواق الطاقة، وارتفاع معدلات التضخم، وتعطل سلاسل التوريد، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وباتت التدفقات التجارية والاستثمارات العابرة للحدود والتفوق التكنولوجي عناصر حاسمة في موازين القوة، في وقت لم تعد فيه القدرات العسكرية وحدها كافية لفرض النفوذ أو حماية المصالح الاستراتيجية للدول.
ويبرز التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مثالا على هذا التحول، إذ تحرص الأطراف المعنية على تجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وما يرافق ذلك من انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي السياق ذاته، تواصل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين الجمع بين المنافسة الاستراتيجية والاعتماد الاقتصادي المتبادل، فرغم استمرار الخلافات حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وقضية تايوان، فإن الطرفين يحرصان على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لتجنب أي قطيعة قد تلحق أضرارا باقتصاديهما وبالأسواق العالمية.
كما تعكس التحركات الدبلوماسية الأخيرة بين بكين وموسكو صعود نظام دولي متعدد الأقطاب، تلعب فيه الصين دورا متزايد الأهمية، سواء من خلال تعزيز شراكاتها الاقتصادية أو عبر مبادراتها التجارية، ومنها توسيع الإعفاءات الجمركية لفائدة عدد من الدول الإفريقية.
ويرى متابعون أن مفهوم القوة الدولية بات يرتبط بشكل متزايد بالقدرة على التحكم في التكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد، والموارد الاستراتيجية، والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب النفوذ المالي والاستثماري، وهو ما يجعل المنافسة الحالية أكثر تعقيدا وأقل اعتمادا على المواجهات العسكرية المباشرة.
وفي المقابل، برز دور متنامٍ للشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية، وعمالقة التكنولوجيا، باعتبارها أطرافا مؤثرة في صياغة التوازنات الاقتصادية والسياسية العالمية، بما يمنحها تأثيرا قد يوازي أحيانا نفوذ بعض الدول.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل أصبح عاملا أساسيا في توجيه سلوك الدول، إذ باتت المصالح التجارية والاستثمارية تفرض قدرا أكبر من البراغماتية في إدارة النزاعات، بما يحد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات واسعة.
وفي ظل هذه التحولات، اتسع مفهوم السيادة ليشمل أمن الطاقة، والاستقلال التكنولوجي، والأمن الغذائي، وحماية الفضاء الرقمي، مع سعي الدول إلى تعزيز قدراتها الذاتية وتقليل اعتمادها على الخارج في القطاعات الحيوية.
وتشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار التنافس بين القوى الكبرى، لكن في إطار يعتمد بصورة أكبر على الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية التجارية، باعتبارها أدوات رئيسية لإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي.

