حمل حديث الملك محمد السادس عن القطاع المالي في خطاب العرش الأخير أكثر من مجرد إشارة عابرة ضمن الأولويات الاقتصادية؛ فقد جاء ليعلن عن دخول المغرب مرحلة جديدة في تدبير التنمية، لا تُقاس فيها نجاعة الدولة بحجم المشاريع المطلقة فحسب، بل بقدرتها على تمويل هذه المشاريع من مواردها الذاتية. وقد شدد الخطاب الملكي على أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يعيشها المغرب تستوجب حشد إمكانيات مالية غير مسبوقة، مع التأكيد على ضرورة أن يكون التمويل الداخلي هو المصدر الرئيسي لهذه الإمكانيات، في توجه استراتيجي يرفع المنظومة المالية الوطنية من مجرد مقدّم خدمات تمويلية إلى شريك فعلي في إنجاح الأوراش الكبرى.
يأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه المغرب توسعا لافتا في طبيعة استثماراته، إذ لم تعد الرهانات محصورة في مشاريع منعزلة أو برامج قطاعية ضيقة، بل باتت تشمل بنيات تحتية من جيل جديد، وتنمية ترابية شاملة، ورفعا لتنافسية الإنتاج الوطني، وتسريعا للتحول الطاقي والمناخي، إضافة إلى الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 بما يفرضه من استثمارات ضخمة في النقل واللوجستيك والتجهيزات. وكل هذه الأوراش المترابطة تحتاج أدوات تمويل أكثر تنوعا ومرونة، وهو ما دفع الخطاب الملكي إلى الدعوة لتجاوز منطق تمويل المشاريع الفردية نحو بناء منظومة قادرة على تمويل التحول الاقتصادي في مجمله.
ولإصرار الملك على أولوية التمويل الداخلي دلالة عميقة، فهو تعبير عن الثقة في قدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة موارده الذاتية، وتأكيد بأن السيادة الاقتصادية لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج والتجارة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بقدرة الدولة على توجيه الادخار الوطني نحو الاستثمار المنتج. فالاقتصادات المعتمدة بشكل مفرط على التمويل الخارجي تبقى عرضة لتقلبات الأسواق الدولية، بينما يمنح التمويل المحلي هامشا أوسع من الاستقرار والاستقلالية في القرار الاقتصادي.
من هذا المنطلق، لم يعد القطاع المالي مجرد جهاز تقني لتقديم القروض وإدارة السيولة، بل تحول إلى مكون أساسي من البنية التحتية الاقتصادية، على غرار الموانئ والطرق والمطارات وشبكات الطاقة؛ فهو الذي يحوّل المدخرات إلى استثمارات فعلية، ويربط بين ثقة المواطنين والمستثمرين من جهة، والمشاريع المُنتجة للثروة وفرص الشغل من جهة أخرى. لذلك أصبحت كفاءة هذه المنظومة عاملا حاسما في قدرة المغرب على إنجاز مشاريعه الاستراتيجية في السنوات المقبلة.
ولم يقتصر الخطاب على الأبناك التقليدية، بل دعا صراحة إلى توسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية معا، وهو ما يعكس وعيا بأن النموذج القائم على الاعتماد شبه الكلي على القروض البنكية لم يعد كافيا لمواكبة اقتصاد يتوسع بسرعة، ما يستدعي تفعيل أدوار سوق الرساميل وصناديق الاستثمار ورأس المال الاستثماري والتمويلات البديلة، بما يتيح لكل مشروع الوصول إلى الأداة المالية الملائمة لحجمه وطبيعته ومرحلة تطوره.
ولم يكن التركيز على المقاولات الصغرى والمتوسطة اعتباطيا، فهذه الفئة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني وتوفر النسبة الأكبر من فرص الشغل، رغم أنها ما تزال تصطدم بصعوبات في الحصول على التمويل بسبب الضمانات المطلوبة وارتفاع كلفة الاقتراض ومحدودية الأدوات المتاحة. ولذلك فإن تسهيل ولوجها إلى التمويل ليس دعما لفئة بعينها، بل استثمار مباشر في توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد المغربي وتعزيز قدرته على خلق الثروة والتشغيل.
كما شدد الخطاب على أهمية الربط بين الابتكار والتصنيع والتصدير، في إشارة إلى أن الهدف لم يعد تمويل الأنشطة الاقتصادية بشكل عام، بل توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر قدرة على رفع القيمة المضافة: فالابتكار ينتج المعرفة والتكنولوجيا، والتصنيع يعزز الاندماج الصناعي والإنتاجية، والتصدير يجلب العملة الصعبة ويحسّن موقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية.
ودعا الخطاب أيضا إلى تعبئة الادخار الوطني، وخصوصا الادخار المؤسساتي المتوفر لدى صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار، باعتباره رافعة محتملة لتمويل المشاريع الكبرى، بدل بقائه موظفا في أدوات مالية تقليدية محدودة الأثر على الاقتصاد. وهو ما يفرض تطوير آليات مالية أكثر ابتكارا توجه هذه المدخرات نحو استثمارات طويلة الأمد تحقق عائدا للمستثمرين وتدعم النمو في آن واحد.
وأولى الخطاب اهتماما مماثلا لإعادة تنشيط الأسواق المالية، باعتبار البورصة وسوق الرساميل قناة أساسية لتعبئة الرساميل وتوجيهها نحو الاستثمار، وهو ما يستلزم مواصلة إصلاحات الحكامة والشفافية، وتشجيع إدراج مزيد من الشركات، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وترسيخ الثقة في السوق.
ويضع هذا التوجه مسؤوليات جديدة على عاتق مختلف الفاعلين: الأبناك مطالبة بتطوير منتجات مالية أكثر ملاءمة للمقاولات الناشئة والصغرى والمتوسطة، والسلطات العمومية مدعوة لتعزيز التكامل بين التمويل العام والخاص، والابتكار المالي والرقمي مطلوب لخفض كلفة التمويل وتبسيط الولوج إليه، فيما تبقى المقاولات نفسها مطالبة بتحسين حكامتها وشفافيتها وجودة مشاريعها الاستثمارية لتكون أكثر قدرة على الاستفادة من هذه الإصلاحات.
وتكشف هذه التوجهات الملكية أن المغرب لا يسعى فقط إلى حشد موارد مالية إضافية، بل يعمل على بناء نموذج تمويلي يواكب التحولات التي تعرفها البلاد في مختلف المجالات. فكل مرحلة تنموية تفرض أدواتها الخاصة، والمرحلة الراهنة تحتاج قطاعا ماليا أكثر انفتاحا وابتكارا، وأكثر قدرة على تعبئة الادخار الوطني وتوجيهه نحو الاستثمار المنتج، إلى جانب تكامل أوثق بين الأبناك والأسواق المالية والمؤسسات الاستثمارية. وبذلك تتحول المنظومة المالية إلى محرك حقيقي للنمو وركيزة من ركائز السيادة الاقتصادية، لتؤسس رؤية الملك محمد السادس لتصور استراتيجي بعيد المدى، مفاده أن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بحجم مشاريعه، بل أيضا بقدرته على تمويل طموحاته بإمكاناته الذاتية، وتحويل موارده الداخلية إلى تنمية مستدامة تنعكس آثارها على مختلف فئات المجتمع.

