رصد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي برسم سنة 2025، المرفوع إلى الملك محمد السادس، استمرار تبعية المملكة للخارج في مجال استيراد المنتجات الاستراتيجية، لا سيما المحروقات والحبوب، مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات على الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد المجلس أن تنامي التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وتقلبات الأسعار الدولية يساهم في توطيد هذه التبعية، مبرزا أن إنشاء مخزونات احتياطية وتدبيرها يكتسي أهمية استراتيجية باعتباره رافعة أساسية لتعزيز قدرة البلاد على الصمود وضمان استمرار التوريد.
وأشار المجلس ذاته إلى أن المغرب يتوفر على آليات للمخزونات الاحتياطية الخاصة بالمواد الاستراتيجية الرئيسية، وعلى رأسها المحروقات والحبوب، غير أن هذه الآليات لا تزال تعاني من اختلالات ومكامن هشاشة تحد من نجاعتها، من بينها عدم ملاءمة الإطار القانوني، وضعف التقيد بعتبات المخزون الإلزامي خصوصا بالنسبة للمحروقات، ومحدودية فعالية آليات المراقبة، وضعف الطابع الردعي للعقوبات، وعدم كفاية قدرات التخزين والشحن بالموانئ، إضافة إلى محدودية فعالية الإجراءات المتخذة للتخفيف من تقلبات الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
المخزونات البترولية
في الشق المتعلق بالمحروقات، دعا المجلس إلى تحيين وملاءمة الإطار القانوني المتعلق بالمخزونات الاحتياطية، بما يتيح إرساء آلية متكاملة تحدد أهدافها وكيفيات إنشائها وتمويلها وتعبئتها ومراقبتها، فضلا عن مسؤوليات الدولة والفاعلين المعنيين.
كما نادى بإطلاق دينامية تفكير وطنية بشأن الانتقال إلى آلية مؤسساتية مندمجة لتدبير المخزونات الاستراتيجية، ترتكز على نموذج يجمع بين قدرات عمومية مخصصة للتخزين، توفرها الدولة مباشرة أو تديرها وكالة متخصصة، ومخزونات إلزامية يحتفظ بها الفاعلون الخواص. وشدد على ضرورة مأسسة تقييم منتظم ومستقل لنجاعة هذه المخزونات، نظرا لأثرها على القدرة الشرائية وإمكانية الولوج إلى أسعار في المتناول، مع دراسة جدوى تخصيص جزء من هوامش ربح الفاعلين في القطاع لتعزيز قدرات التخزين، مقرونة بمنظومة للتتبع والمراقبة وعقوبات ردعية مناسبة.
مصادر استيراد الحبوب
في الشق المتعلق بالحبوب، أبرز المجلس ضرورة تعزيز حكامة المنظومة وآليات مراقبتها، عبر تدعيم قدرات المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني في مجالات التتبع وقيادة عمليات التموين وتدبير تجديد المخزونات، مع تعويض النظام القائم على التصريح بمنظومة مراقبة فعلية ترتكز على عمليات تفتيش منتظمة، وتعزيز مسارات التتبع، وإقرار عقوبات ذات أثر زجري فعلي.
وأكد أيضا أولوية تعزيز قدرات التخزين عبر نموذج هجين يرتكز على قدرات عمومية استراتيجية يوفرها المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، مدعومة بقدرات القطاع الخاص، مع الحرص على توزيع ترابي متوازن للبنيات التحتية للتخزين، داعيا إلى تأمين عمليات التوريد عبر تنويع مصادر الاستيراد واعتماد سياسة تخزين تستفيد من فترات انخفاض الأسعار في السوق الدولية لمواجهة التقلبات الدورية.
ورش الانتقال الطاقي
توقف المجلس أيضا عند ورش الانتقال الطاقي بالمغرب، مؤكدا أنه رغم الجهود المبذولة، لا تزال المنتجات البترولية تحتل مكانة محورية ضمن المنظومة الطاقية الوطنية، إذ مثلت 51 في المائة من المزيج الطاقي خلال سنة 2025، باستهلاك يقدر بنحو 12,8 مليون طن، يهيمن عليه الغازوال بنسبة 73 في المائة.
وتوقع المجلس، ضمن تقريره المرفوع إلى الملك، أن يواصل هذا الاستهلاك منحاه التصاعدي، مع زيادة متوقعة بنسبة 16 في المائة في أفق سنة 2030، مشيرا إلى أن مستوى الهشاشة يظل مرتفعا، خصوصا أن تموين السوق الوطنية أصبح يعتمد حصريا على استيراد المنتجات المكررة منذ توقف نشاط مصفاة “سامير” سنة 2015، ما يزيد من تعرض البلاد لمخاطر اضطراب سلاسل التوريد وتقلبات الأسعار الدولية.
وأوضح التقرير أيضا أن توطيد الانتقال الطاقي بالمغرب يظل رهينا بقدرة المنظومة الكهربائية الوطنية على إدماج حصة أكبر من الطاقات المتجددة، إذ لم تتجاوز مساهمة هذه الطاقات نسبة 27,6 في المائة من الإنتاج الوطني للكهرباء خلال سنة 2025، عازيا ذلك أساسا إلى الطبيعة المتقطعة للطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب استمرار الحاجة إلى تعزيز قدرات التخزين، والرفع من مرونة الشبكة الكهربائية، وتسريع وتيرة كهربة مختلف الاستعمالات.

