حذّر تقرير حديث من أن التحدي الأكبر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي قد لا يتمثل في فقدان الوظائف أو تسارع الأتمتة، بل في تهديده لأحد أهم مصادر تمويل الدول الحديثة، والمتمثل في ضرائب الدخل، مع توقعات بتراجع أعداد العاملين لصالح الأنظمة الذكية خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يضع الحكومات أمام أزمة مالية غير مسبوقة ويعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي.
وأوضح التقرير أن هذه المخاوف كانت محور اجتماع مغلق نظمه صندوق النقد الدولي في واشنطن خلال دجنبر الماضي، بمشاركة خبراء اقتصاديين وتقنيين من مؤسسات دولية وشركات رائدة، حيث انصب النقاش على مستقبل الأنظمة الضريبية وقدرة الحكومات على تمويل خدماتها في حال تراجع عدد دافعي الضرائب بسبب انتشار الذكاء الاصطناعي.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصادات الحديثة اعتمدت، منذ الثورة الصناعية، على الضرائب المفروضة على الأجور والدخول الفردية لتمويل الإنفاق العمومي، إذ تشكل هذه الضرائب الجزء الأكبر من الإيرادات في عدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة وأستراليا، ما يجعل أي انخفاض واسع في العمالة تهديدا مباشرا لاستقرار المالية العامة.
ورغم أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ما تزال في مرحلة التوسع، فإن آثارها بدأت تظهر داخل قطاعات تعتمد على الوظائف المكتبية، بعدما شرعت شركات مالية وتقنية كبرى في الاستعانة بالأنظمة الذكية لتنفيذ مهام كان يقوم بها الموظفون، فيما كشفت دراسات حديثة أن البرمجة، التي كانت تعتبر من أكثر المهن استقرارا، أصبحت من بين الوظائف الأكثر عرضة للتأثر بهذه التكنولوجيا، وهو ما يهدد وظائف ذات أجور مرتفعة تمثل مصدرا مهما للعائدات الضريبية.
ويرى التقرير أن الأزمة المحتملة لا تقتصر على فقدان الوظائف، بل تمتد إلى تراجع الإيرادات الحكومية بالتزامن مع ارتفاع النفقات، نتيجة الحاجة إلى تمويل إعانات البطالة، وبرامج إعادة التأهيل المهني، والخدمات الاجتماعية، وهو ما قد يفرض ضغوطا كبيرة على ميزانيات الدول ويؤثر على استقرارها الاقتصادي والسياسي.
واستحضر التقرير تجربة الثورة الصناعية في أوروبا، مبرزا أن التحولات الاقتصادية الكبرى لم تنعكس مباشرة على تحسين مستوى معيشة السكان، بل سبقتها سنوات من التفاوت الاجتماعي والاضطرابات، معتبرا أن العالم قد يواجه مرحلة مشابهة إذا تجاوز انتشار الذكاء الاصطناعي قدرة المجتمعات على التكيف مع تداعياته.
وفي هذا السياق، أكد مسؤولون وخبراء أن الحكومات تجد نفسها أمام تحد صعب، يتمثل في إعداد العمال لوظائف المستقبل، في وقت لا تزال فيه طبيعة هذه الوظائف غير واضحة، وهو ما يزيد من تعقيد التخطيط الاقتصادي والتعليمي.
واستعرض التقرير سيناريوهين رئيسيين، يتمثل الأول في انتشار تدريجي للذكاء الاصطناعي بفعل القيود التنظيمية، فيما يقوم الثاني على توسع سريع تهيمن خلاله شركات التكنولوجيا الكبرى على الخدمات الذكية، مع تراجع دور الإنسان في عدد متزايد من المهن، وهو السيناريو الذي قد يؤدي إلى تقلص كبير في الإيرادات الضريبية، خاصة في الدول المستوردة لهذه التقنيات.
ولمواجهة هذه التحديات، ناقش التقرير عددا من البدائل، من بينها رفع الضرائب على الثروات والشركات، وزيادة الضرائب على الاستهلاك، أو فرض رسوم خاصة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرات الحوسبة، غير أن هذه الخيارات تواجه عقبات سياسية واقتصادية، خصوصا مع قدرة الشركات العالمية على نقل أنشطتها إلى دول منخفضة الضرائب.
كما تطرق التقرير إلى مقترحات تدعو إلى فرض رسوم على استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي وتوزيع عائداتها بين الدول، غير أن تنفيذ مثل هذا النظام يتطلب اتفاقا دوليا واسعا وآليات رقابية معقدة للحد من التهرب الضريبي.
وفي المقابل، بدأت بعض الدول الاستعداد لهذا التحول، إذ تواصل سنغافورة الاستثمار في برامج إعادة التأهيل المهني وتطوير المهارات الرقمية، مع توفير أدوات ذكاء اصطناعي للمواطنين المنخرطين في برامج التكوين، بينما اختارت السويد تعزيز الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية بهدف الحفاظ على استقرار سوق الشغل.
وخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولا اقتصاديا شاملا قد يعيد صياغة العلاقة بين الدولة وسوق العمل والنظام الضريبي، داعيا إلى تطوير آليات جديدة لمراقبة تأثير هذه التكنولوجيا على التوظيف والإنتاجية بشكل مستمر، حتى تتمكن الحكومات من التدخل في الوقت المناسب، مؤكدا أن نجاح المرحلة المقبلة لن يرتبط فقط بالاستفادة من مكاسب الذكاء الاصطناعي، بل أيضا بقدرة الدول على تحديث أنظمتها الضريبية وحماية التماسك الاجتماعي.

