تجد فرنسا نفسها أمام مرحلة مفصلية في علاقاتها بالقارة الإفريقية، بعدما شهد نفوذها التقليدي تراجعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، بفعل التحولات السياسية داخل القارة وتصاعد المنافسة الدولية وتنامي المطالب بإقامة علاقات أكثر توازناً واحتراماً لسيادة الدول الإفريقية.
ويرى الباحث إدريس لكريني أن التحولات الجارية تضع باريس أمام ضرورة مراجعة مقاربتها القديمة، والانتقال من منطق النفوذ التقليدي إلى شراكات تقوم على المصالح المشتركة والتكافؤ.
إرث ثقيل وتحولات جديدة
لعقود طويلة، اعتمد الحضور الفرنسي في إفريقيا على مجموعة من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير مع صعود نخب سياسية جديدة وتزايد الرفض الشعبي للوجود الفرنسي في عدد من الدول.
كما ساهمت الانتقادات الموجهة إلى التدخلات العسكرية الفرنسية، إلى جانب استمرار الأزمات الأمنية والاجتماعية، في تعميق أزمة الثقة بين باريس وعدد من العواصم الإفريقية.
وفي المقابل، اتجهت دول إفريقية إلى تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح بشكل أكبر على الصين وروسيا وتركيا والولايات المتحدة وقوى أخرى، ما جعل القارة أقل ارتباطاً بالنفوذ الفرنسي التقليدي.
الاقتصاد بدل النفوذ التقليدي
أمام هذه التحولات، تراهن فرنسا بشكل متزايد على الاستثمار والتعاون الاقتصادي للحفاظ على حضورها داخل القارة.
وتشير الدراسة إلى أن باريس تسعى إلى توسيع شراكاتها خارج المجال الفرانكوفوني التقليدي، مع التركيز على قطاعات مثل الطاقة والزراعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
غير أن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطاً بقدرة فرنسا على الاستجابة للمطالب الإفريقية المتزايدة بإقامة علاقات تقوم على نقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل والاستثمار المشترك، بعيداً عن المقاربات التي تُتهم بإعادة إنتاج التبعية.
إفريقيا تريد شراكات متكافئة
في المقابل، تطمح الدول الإفريقية إلى الاستفادة من المنافسة الدولية لتعزيز مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، عبر جذب الاستثمارات وتخفيف أعباء الديون وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي.
ويرى لكريني أن مستقبل العلاقة بين الجانبين قد يتجه نحو ثلاثة سيناريوهات: شراكة جديدة تقوم على الندية، أو استمرار تراجع النفوذ الفرنسي لصالح منافسين دوليين، أو تصاعد التوتر إذا اختارت باريس مواجهة التحولات الجديدة بسياسات الضغط والعقوبات.
وفي النهاية، يبدو أن مستقبل فرنسا في إفريقيا لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات أو الاتفاقيات الجديدة، بل بقدرتها على الاعتراف بأن القارة تغيرت، وأن الدول الإفريقية أصبحت تمتلك خيارات وشركاء أكثر من أي وقت مضى.
فهل تنجح باريس في تحويل نفوذها المتراجع إلى شراكة جديدة، أم تستمر في خسارة مواقعها أمام القوى الدولية الصاعدة؟

