يتحول حلم امتلاك سكن رئيسي لدى أفراد الطبقة المتوسطة في المغرب إلى معاناة متواصلة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة واستمرار أسعار العقارات السكنية في الارتفاع بوتيرة جنونية، مقابل ضغوط اقتصادية أضرت بالقدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر خلال السنوات الأخيرة.
وتبرز هذه التحديات بشكل أكبر لدى الأسر القاطنة بالمدن الكبرى، بالتزامن مع صعوبة تحمل تكاليف وفوائد القروض البنكية، إلى جانب محدودية العرض مقارنة بحجم الطلب المتزايد، ما يعقّد فرص تملّك سكن لائق بالقرب من مقر العمل والتجهيزات الحضرية الأساسية.
ويثير واقع سوق العقار في المغرب علامات استفهام عديدة، إذ رغم تراجع حجم المعاملات العقارية بأكثر من 40 في المائة خلال الفصل الأول من السنة الجارية، واصلت الأسعار منحاها التصاعدي وسجلت مستويات قياسية، وفق معطيات صادرة عن بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.
وشرع المغرب، خلال الولاية الحكومية الحالية، في العمل بنظام الدعم المباشر لشراء السكن، الذي يوفر دعما ماليا بنحو 100 ألف درهم للشقق التي لا يتجاوز سعرها 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للشقق التي يقل سعرها عن 700 ألف درهم، بعدما كان النظام السابق يقتصر على شقق بمبلغ 250 ألف درهم ضمن مساعي توفير “السكن الاقتصادي”.
“قبر الحياة”
في ظل هذا الواقع “الضبابي”، تنعش الأسر المغربية آمالها في إيجاد سكن يتناسب مع قدراتها الشرائية، خصوصا حين تستلزم عملية الشراء الحصول على قرض من المؤسسات البنكية، ما يرفع سقف التحديات أمامها، إذ تتراوح أسعار الفائدة على القروض السكنية بين 4,10 و5,20 في المائة، دون احتساب الضرائب ومصاريف التأمين.
ويرى الخبير أمين المرنيسي أن قطاع العقار في المغرب يعاني من ارتفاع الأسعار نتيجة غلاء المدخلات، وعلى رأسها البقع الأرضية، مضيفا في تصريح لهسبريس أن برنامج دعم السكن الحالي، رغم كونه أوجد متنفسا للمواطنين، يبقى المنتج العقاري المتاح فيه غير كاف لتلبية الطلب، لا سيما في المدن الكبرى، حيث تمنع المعادلة الاقتصادية المنعشين العقاريين من إنجاز مشاريع غير مربحة.
وأوضح المرنيسي صعوبة توفير المنتج العقاري بالعدد المطلوب دون تنسيق بين الدولة والقطاع الخاص، مشيرا إلى أن طلبات الاستفادة من برنامج دعم السكن تجاوزت 200 ألف طلب، لم تتم تلبية سوى نحو 105 آلاف منها. ولفت إلى استحالة توفير سكن مناسب في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط بسقف تمويلي لا يتجاوز 300 ألف درهم، مؤكدا أن معظم المنعشين العقاريين يفضلون الاستثمار في العقارات الفاخرة ذات هامش الربح المرتفع.
واعتبر الخبير ذاته أن العقار القديم أو المستعمل يبرز كخيار عقلاني لعدد من الأسر، خصوصا عند تمركزه في أحياء متوفرة على الخدمات الحيوية، مشيرا إلى أن القطاع العقاري في المغرب لم يعرف دينامية حقيقية إلا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مع الانتقال من نمط المقاولات الفردية إلى الشركات العقارية الكبرى والمنظمة.
“منطق السوق”؟
خلال سنتي 2025 و2026، تراوحت أسعار العقار السكني في مدينة الرباط بين 8500 و25 ألف درهم للمتر المربع بالنسبة للشقق، وبين 16 ألفا و32 ألف درهم للفيلات، وبين 9000 و18 ألف درهم للمحلات التجارية. وبحسب موقع “مساكن” المتخصص، يتراوح متوسط سعر الشقق في الرباط بين 12 ألفا و14 ألفا و500 درهم للمتر المربع، باختلاف الحي ومستوى التشطيب، إذ تُعد أحياء أكدال والرياض والسويسي من أغلى المناطق، بينما تبقى يعقوب المنصور والتقدم أكثر توفرا من حيث الأسعار. وتسير مدن كبرى أخرى، كالدار البيضاء وطنجة ومراكش وأكادير، في الاتجاه نفسه، وسط طلب كبير وقلة في العرض.
العرض والطلب
من جهته، أقر مصدر من داخل الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين بأن القطاع يعاني من أزمة مركبة وعميقة، تُعزى إلى تضافر عوامل اقتصادية واجتماعية وإدارية أدت إلى اختلال بين العرض والطلب. وأوضح المصدر، في إفادته لهسبريس، أن ثبات أجور فئات واسعة من المغاربة لسنوات أدى إلى تراجع حاد في قدرتهم الشرائية والادخارية، فيما تأثرت أسعار الشقق المُشيَّدة بارتفاع أسعار البقع الأرضية ومواد البناء وأجور اليد العاملة منذ جائحة كورونا دون أي تحسن يُذكر.
وأشار إلى أن أسعار شقق الجهد المتوسط تنطلق في بعض المدن من 700 ألف درهم فما فوق، ما يدفع الطبقة المتوسطة إلى التوجه نحو ضواحي المدن بحثا عن أسعار أقل، مضيفا أن المنعشين العقاريين يواجهون أيضا مساطر إدارية معقدة وطويلة تُبطئ وتيرة إنجاز المشاريع، خالصا إلى أن الأزمة الراهنة تستدعي إعادة نظر شاملة وتدخلا حقيقيا من كافة الفاعلين.
حاجة إلى العقار
وفي آخر إحصائيات برنامج “دعم السكن”، الذي يستهدف الفترة الممتدة بين 2024 و2028، بلغ عدد المستفيدين 105 آلاف و27 مستفيدا، وفق كاتب الدولة المكلف بالإسكان، فيما بلغ عدد طلبات الاستفادة على الصعيد الوطني 218 ألفا و877 طلبا، مع استئثار الجالية المغربية المقيمة بالخارج بنسبة 24 في المائة من إجمالي المستفيدين.
وبلغت نسبة النساء المستفيدات 47,5 في المائة، بينما شكل الشباب دون سن الأربعين 52 في المائة من إجمالي المستفيدين، فيما حصل 60 في المائة منهم على دعم مالي بقيمة 70 ألف درهم، واستفادت البقية من دعم بقيمة 100 ألف درهم.

