رغم استمرار الحرب مع إيران وتصاعد المخاطر الأمنية في مضيق هرمز، تواصل بعض الدول المنتجة للنفط في الخليج البحث عن طرق للحفاظ على صادراتها والوصول إلى الأسواق العالمية، من خلال عمليات نقل بحرية يصعب رصدها بشكل كامل.
وتشير تقارير حديثة إلى أن ناقلات نفط تعبر المضيق ثم تنقل حمولاتها إلى ناقلات أكبر في خليج عمان، في عمليات نقل من سفينة إلى أخرى تهدف إلى استمرار حركة الخام رغم المخاطر التي أصبحت تحيط بالممر البحري الاستراتيجي. وتظهر بيانات حديثة أيضا أن نسبة كبيرة من ناقلات النفط التي تعبر هرمز لا تبث مواقعها بشكل مستمر، ما يجعل تتبع حركة الشحنات أكثر صعوبة.
هرمز يتحول إلى ممر شديد الحساسية
كان مضيق هرمز، قبل اندلاع الحرب، يشكل أحد أهم طرق تصدير النفط في العالم، إذ كانت كميات ضخمة من الخام والغاز تمر عبره يوميا باتجاه الأسواق الآسيوية وغيرها.
لكن الحرب والهجمات التي تعرضت لها السفن أدت إلى تراجع حركة الملاحة وارتفاع المخاطر المرتبطة بالتأمين والشحن. ومع ذلك، لم تتوقف جميع عمليات التصدير، إذ لجأت بعض الشركات والدول إلى ترتيبات بديلة تسمح بإخراج جزء من الشحنات من الخليج دون الاعتماد بشكل كامل على المرور التقليدي والمباشر عبر المضيق.
وتشمل هذه الترتيبات نقل النفط إلى ناقلات تنتظر في مناطق خارج المضيق، خصوصا في خليج عمان، قبل مواصلة الرحلة نحو وجهاتها النهائية.
عمليات نقل يصعب تتبعها
أصبحت عمليات النقل من سفينة إلى أخرى إحدى الوسائل التي تسمح باستمرار تدفق جزء من النفط رغم الظروف الأمنية الصعبة.
وتتم بعض الرحلات مع إيقاف أجهزة تحديد الموقع أو تقليل ظهور السفن على أنظمة التتبع، الأمر الذي يجعل معرفة مسار الناقلات وحجم الشحنات المنقولة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى التجار ومحللي أسواق الطاقة.
وتشير بيانات حديثة إلى أن نسبة كبيرة من ناقلات النفط والمنتجات النفطية عبرت مضيق هرمز دون إرسال إشارات موقعها، وهو ما يعكس حجم المخاطر التي أصبحت تحيط بحركة الشحن في المنطقة.
كما أن صور الأقمار الصناعية تستخدم لمراقبة عمليات النقل البحري، بما في ذلك عمليات نقل الشحنات بين ناقلات في خليج عمان. وقد وثقت صور حديثة وجود ترتيبات من هذا النوع خارج المضيق.
الإمارات تحافظ على صادراتها
تعد الإمارات من أبرز الدول التي واصلت البحث عن حلول للحفاظ على تدفق صادراتها النفطية رغم المخاطر.
وتظهر بيانات حديثة أن شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” اعتمدت ترتيبات نقل مرنة تسمح بنقل الخام عبر منطقة مضيق هرمز، رغم تعرض سفن مرتبطة بالشركة لهجمات خلال الصراع. كما ساهمت هذه السياسة في استمرار وصول الشحنات إلى المشترين الدوليين.
وتوضح هذه التطورات أن شركات الطاقة الخليجية تحاول التأقلم مع الوضع الجديد بدلا من انتظار عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة.
مخاطر أمنية وارتفاع تكاليف النقل
لكن استمرار هذه العمليات لا يعني أنها خالية من المخاطر.
فالسفن التي تعبر المنطقة تواجه تهديدات أمنية متواصلة، فيما أدت الهجمات الأخيرة إلى إصابة عدد من السفن ودفعت بعض شركات الشحن إلى إعادة تقييم طرقها.
وفي الرابع عشر من غشت، أعلنت الإمارات تعرض ناقلتين تابعتين لشركة “أدنوك” لهجمات بطائرات مسيرة أثناء عبورهما مضيق هرمز، دون تسجيل إصابات بين أفراد الطواقم بحسب التقارير المتاحة.
كما سجلت المنطقة حوادث مرتبطة بتسرب النفط، من بينها تسربات ظهرت في صور الأقمار الصناعية قبالة سواحل عمان، ما يضيف بعدا بيئيا إلى المخاطر الأمنية التي تواجه حركة الطاقة في المنطقة.
لماذا لم تقفز الأسعار إلى مستويات قياسية؟
رغم الاضطرابات، لم تتحول الأزمة حتى الآن إلى توقف كامل لصادرات النفط الخليجية.
ويرجع ذلك جزئيا إلى استمرار بعض عمليات الشحن، إضافة إلى استخدام مسارات بديلة وعمليات نقل بين السفن، إلى جانب الاعتماد على المخزونات وخطوط الأنابيب في بعض الدول.
وقد ساعد استمرار وصول جزء من الخام إلى الأسواق على تخفيف المخاوف من حدوث نقص عالمي حاد في الإمدادات، وهو ما حد من الضغوط التي كان يمكن أن تدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير.
ومع ذلك، ظلت الأسعار شديدة الحساسية لأي تطور عسكري جديد، خصوصا أن استمرار الحرب أو توسع الهجمات على السفن يمكن أن يقلص قدرة المنتجين على الحفاظ على هذه التدفقات.
السعودية تراقب الخيارات البديلة
السعودية بدورها تتابع تطورات حركة الشحن في الخليج، خصوصا في ظل المخاطر التي تواجه الطرق البحرية البديلة.
وتوجد ناقلات كبيرة في مناطق قريبة من السواحل العمانية، في وقت تحاول فيه شركات الشحن والمنتجون الخليجيون إيجاد ترتيبات تسمح باستمرار صادرات النفط حتى في حال استمرار اضطراب حركة الملاحة عبر هرمز.
وتعكس هذه التحركات أهمية خليج عمان باعتباره منطقة يمكن أن تستقبل عمليات نقل بين ناقلات قادمة من الخليج وسفن أكبر قادرة على مواصلة الرحلات نحو الأسواق العالمية.
سوق النفط أمام معادلة صعبة
أصبح مضيق هرمز اليوم جزءا من شبكة أكثر تعقيدا لنقل النفط، بعدما اضطرت الحرب المنتجين وشركات الشحن إلى البحث عن طرق غير تقليدية للحفاظ على الصادرات.
لكن هذه الحلول تبقى محدودة وقد تكون مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، كما أن استمرارها يعتمد على الوضع الأمني وقدرة السفن على التحرك في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، فإن أي تصعيد جديد يؤدي إلى إغلاق فعلي أو شبه كامل للمضيق يمكن أن يضغط بقوة على إمدادات الطاقة العالمية، خصوصا أن هرمز يظل ممرا رئيسيا لصادرات النفط والغاز من الخليج.
وبذلك، فإن الهدوء النسبي في أسعار النفط لا يعكس بالضرورة استقرار حركة الطاقة في المنطقة، إذ تستمر خلف الكواليس عمليات نقل وشحن معقدة تساعد على إبقاء جزء من الإمدادات متجها نحو الأسواق، في انتظار ما ستؤول إليه المواجهة في المنطقة.

