بعد أكثر من خمسة عقود على الهجوم الذي استهدف مقر منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” في فيينا، عاد اسم إليتش راميريز سانشيز، المعروف بـ“كارلوس الثعلب”، إلى الواجهة من داخل سجنه الفرنسي، بعدما قدم رواية جديدة بشأن الجهة التي تقف وراء العملية التي جعلت منه واحدا من أشهر المطلوبين في العالم خلال سبعينيات القرن الماضي.
وتعود تفاصيل هذه الرواية إلى لقاء أجراه الصحافي والكاتب الأمريكي جوبي واريك مع كارلوس داخل سجن بواسي الفرنسي في مارس 2025، حيث استعاد الطرفان وقائع الهجوم الذي وقع سنة 1975، وأسفر عن احتجاز عشرات المسؤولين ووزراء النفط في مقر “أوبك”.
وبحسب التحقيق الذي نشرته “واشنطن بوست”، أكد كارلوس أن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي كان وراء التخطيط للعملية، وهي رواية تختلف عن فرضيات سابقة ربطت الهجوم بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
هجوم أوبك.. ستة مسلحين وعشرات الرهائن
في 21 دجنبر 1975، وصل ستة مسلحين إلى مقر “أوبك” في العاصمة النمساوية فيينا، قبل أن يقتحموا المبنى ويحتجزوا المشاركين في اجتماع المنظمة.
وكان كارلوس، البالغ حينها 26 عاما، يقود المجموعة المسلحة، التي تمكنت من السيطرة على 62 شخصا، بينهم وزراء ومسؤولون في قطاع النفط.
وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة أشخاص، قبل أن تتحول العملية إلى أزمة دولية استمرت أياما، في ظل مفاوضات مع السلطات النمساوية وترتيبات لنقل المسلحين والرهائن خارج البلاد.
وأعلن منفذو العملية أنهم يتحركون باسم “ذراع الثورة العربية”، ورفعوا شعارات مرتبطة بالقضية الفلسطينية، كما طالبوا ببث بيان سياسي عبر وسائل الإعلام النمساوية.
لكن التحقيق يشير إلى أن الأهداف الحقيقية للعملية ربما كانت تتجاوز المطالب المعلنة، إذ كان كارلوس يحمل، وفق روايته، تعليمات باستهداف وزير النفط السعودي آنذاك أحمد زكي يماني والمسؤول الإيراني جمشيد أموزيغار.
وبحسب ما نقله واريك عن كارلوس، فقد أخبر يماني شخصيا بأنه تلقى أمرا بقتله، على أن يتم تنفيذ ذلك في مرحلة لاحقة من العملية.
القذافي.. الرواية الجديدة
ظل مصدر الأمر بتنفيذ هجوم “أوبك” محل جدل لسنوات طويلة، وسط تعدد الروايات التي ربطت العملية بعدد من الأنظمة والجهات.
غير أن كارلوس قدم للصحافي الأمريكي رواية تقول إن معمر القذافي كان الجهة التي تقف وراء العملية، في سياق خلافات داخل “أوبك” حول أسعار النفط والسياسة التي ينبغي اعتمادها تجاه الدول الغربية.
ففي أعقاب أزمة النفط التي أعقبت حرب 1973، برزت داخل المنظمة خلافات بشأن مستوى الأسعار واستمرار استخدام النفط كأداة للضغط السياسي.
وكانت ليبيا تدفع نحو موقف أكثر تشددا، في حين تبنت السعودية وإيران، وفق الرواية التي أوردها التحقيق، مواقف أكثر اعتدالا خشية التداعيات الاقتصادية والسياسية لارتفاع أسعار النفط بشكل كبير.
وبحسب هذه الرواية، استهدفت الخطة شخصيات اعتُبرت مسؤولة عن هذا التوجه، من بينها يماني وأموزيغار، فيما وقع الاختيار على كارلوس لتنفيذ العملية نظرا إلى خبرته في العمليات المسلحة وقدرته على التحرك عبر عدة دول.
غير أن التحقيق يشدد على أن هذه الرواية تظل قائمة على شهادة كارلوس وتحليل الصحافي، ولا تمثل حكما قضائيا مستقلا حسم بشكل نهائي هوية الجهة التي أمرت بالهجوم.
علاقة متوترة مع القذافي
وبحسب واريك، لم تدم العلاقة بين كارلوس والقذافي بالشكل الذي كان يتوقعه منفذ العملية، خصوصا خلال أزمة الرهائن.
ونقل الصحافي عن كارلوس، بعد مرور عقود على الأحداث، وصفه للقذافي بأنه “رجل مجنون”، معتبرا أن المجموعة المسلحة كادت تدفع حياتها ثمنا لما اعتبره تخلي الزعيم الليبي عنها.
وتكشف هذه الرواية، في حال صحتها، عن جانب مختلف من مسار كارلوس، الذي ارتبط خلال تلك المرحلة بعدد من الجهات والدول التي كانت تستعين بمجموعات مسلحة لتنفيذ عمليات خارج حدودها.
كارلوس.. من الشهرة إلى السجن المؤبد
عندما التقى واريك كارلوس في سجن بواسي، كان الرجل قد أمضى عقودا خلف القضبان، وبات في منتصف السبعينيات من عمره، بعدما أصبح اسمه مرتبطا بسلسلة من العمليات المسلحة والاغتيالات والتفجيرات.
ويشير التحقيق إلى أن ذاكرته لم تعد كما كانت، إذ كان يكرر بعض التفاصيل ويفقد أحيانا خيط الأحداث، كما قال إنه لا يتذكر بعض الوقائع التي نسبت إليه.
واعتُقل كارلوس في السودان سنة 1994 خلال عملية أمنية شاركت فيها أجهزة استخبارات غربية، لينتهي مساره لاحقا بثلاثة أحكام بالسجن المؤبد في فرنسا.
ومع مرور السنوات، تغيرت صورة كارلوس في الوعي العام، خصوصا بعد ظهور أنماط جديدة من الإرهاب الدولي خلال العقود اللاحقة، وعلى رأسها التنظيمات الجهادية التي اعتمدت أساليب مختلفة وأكثر اتساعا في تنفيذ هجماتها.
ومع ذلك، يرى التحقيق أن تجربة كارلوس وجيله ساهمت في تطوير أسلوب يقوم على خطف الطائرات واحتجاز الرهائن واستغلال وسائل الإعلام لتحويل العمليات المسلحة إلى أحداث تحظى باهتمام عالمي واسع.
وتظل عملية “أوبك” واحدة من أبرز الأمثلة على هذا النوع من العمليات، بعدما تمكنت مجموعة صغيرة من السيطرة على اجتماع دولي يضم مسؤولين بارزين، وفرضت على السلطات التفاوض معها ونقل الرهائن عبر عدة مراحل.
وبعد أكثر من خمسين عاما، لا تزال هوية الجهة التي أمرت بالعملية موضع نقاش، فيما تقدم شهادة كارلوس الأخيرة رواية جديدة تضع القذافي في قلب القضية.
غير أن هذه الرواية، بالنظر إلى مرور عقود طويلة وتعدد الشهادات والفرضيات المرتبطة بالهجوم، تبقى بحاجة إلى أدلة مستقلة تؤكدها، لتظل عملية فيينا واحدة من أكثر القضايا غموضا في تاريخ الإرهاب الدولي الحديث.

