مع اقتراب موعد الاستحقاق التشريعي المرتقب في 23 شتنبر، لم تعد المنافسة الانتخابية مقتصرة على الأحزاب والبرامج واللقاءات المباشرة، بعدما أصبح الفضاء الرقمي لاعباً مؤثراً في توجيه المحتوى السياسي الذي يصل إلى المواطنين، وسط تحذيرات من الدور المتزايد للخوارزميات والذكاء الاصطناعي في التأثير على الرأي العام والسلوك الانتخابي.
ويرى الطيب هزاز، الخبير في اليقظة المعلوماتية والمضمون الرقمي، أن طبيعة المخاطر الرقمية تغيرت، إذ لم يعد التحدي مرتبطاً فقط بانتشار معلومات كاذبة، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بطريقة اختيار المنصات للمحتويات التي تعرضها للمستخدم، وتوقيت ظهورها وعدد مرات تكرارها، وهو ما قد يجعل الخوارزميات عاملاً مؤثراً في تشكيل المواقف السياسية.
وأوضح هزاز أن خوارزميات المنصات الرقمية تعتمد بدرجة كبيرة على مستوى تفاعل المستخدم مع المحتوى، ما يجعل المضامين التي تثير مشاعر قوية، مثل الغضب والخوف والصدمة والاستفزاز، أكثر قابلية للانتشار. وقد يؤدي ذلك إلى عزل المستخدم داخل ما يعرف بـ«غرف الصدى»، حيث يتعرض بشكل متكرر لآراء ومواقف تتوافق مع قناعاته السابقة، دون الاطلاع بالقدر نفسه على وجهات النظر الأخرى.
وأشار الخبير إلى أن مستوى التأثير يصبح أكثر تعقيداً عندما يتم الجمع بين البيانات الشخصية والسلوك الرقمي والاهتمامات والموقع الجغرافي وأنماط التفاعل مع المنشورات، ثم استغلال هذه المعطيات لتوجيه رسائل سياسية مصممة خصيصاً لفئات محددة من الناخبين، وهو ما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الاستهداف الرقمي تتجاوز أساليب الدعاية الانتخابية التقليدية.
ويزيد انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي من حجم هذا التحدي، بعدما أصبح بالإمكان إنتاج أعداد كبيرة من الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية والنصوص خلال فترات وجيزة، مع تكييفها وفق الفئات المستهدفة. وبذلك لم تعد المخاطر مرتبطة بمنشور مضلل واحد، بل بإمكانية بناء حملات رقمية متكاملة قادرة على التأثير في المتلقي على المستويين النفسي والسياسي.
وفي مواجهة هذه التحديات، دعا هزاز الناخبين إلى التعامل مع كل معلومة سياسية تصلهم عبر المنصات الرقمية باعتبارها محتوى يحتاج إلى التحقق، وعدم اعتبار تكرار ظهورها دليلاً على صحتها. كما حث على الرجوع إلى المصدر الأصلي للمعلومات، والحذر من المضامين التي تعتمد بشكل واضح على إثارة الخوف أو الغضب والصدمة، وعدم جعل مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الوحيد لمتابعة الأخبار والمواقف السياسية.
كما شدد على ضرورة الانتباه إلى الحسابات التي تظهر بشكل مفاجئ وتنتج كميات كبيرة من المحتوى السياسي على مدار الساعة، خصوصاً عندما تعتمد على تكرار الرسائل نفسها أو مهاجمة أشخاص ومؤسسات محددة بصورة متواصلة، معتبراً أن الوعي الرقمي أصبح جزءاً أساسياً من حماية الاختيار الانتخابي.
من جهته، أكد أنس أبو الكلام، رئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية، أن الحملات الانتخابية انتقلت تدريجياً من الاعتماد بشكل أساسي على التجمعات والمناظرات التلفزيونية إلى فضاء رقمي يسمح للأحزاب والمرشحين بالوصول إلى أعداد كبيرة من الناخبين في وقت قصير، ما جعل المنصات الرقمية ساحة رئيسية للتنافس السياسي.
وأوضح أبو الكلام أن المشهد الانتخابي المغربي بات يجمع بين الأساليب التقليدية للحملات ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل الانتشار الواسع لاستخدام هذه المنصات، ولا سيما لدى فئة الشباب. غير أن هذا التحول يطرح إشكالاً مرتبطاً بطريقة ترتيب المحتويات، إذ تعتمد الخوارزميات على السلوك السابق للمستخدم لتحديد ما يظهر أمامه، ما يجعل تجربة التصفح مختلفة من شخص إلى آخر.
وتعرف هذه الآلية بـ«فقاعات التصفية»، حيث يتم انتقاء المحتويات وفق اهتمامات المستخدم وتفاعلاته السابقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكوين بيئة رقمية مغلقة نسبياً يتعرض فيها الشخص لمحتويات متقاربة في مضمونها واتجاهاتها.
كما أشار أبو الكلام إلى أن بعض الأحزاب والمرشحين أصبحوا يعتمدون على الإعلانات الرقمية الممولة للوصول بشكل مباشر إلى شرائح محددة من المواطنين، فيما اتجهت بعض الحملات إلى تحليل البيانات الرقمية من أجل إعداد رسائل مختلفة تتناسب مع خصائص واهتمامات الفئات المستهدفة.
واستحضر الخبير في هذا السياق قضية شركة «Cambridge Analytica»، التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب استغلال بيانات مستخدمي «فيسبوك» في بناء ملفات مرتبطة بالسلوك والميول، بهدف تطوير رسائل سياسية موجهة، معتبراً أن هذه القضية شكلت مثالاً بارزاً على المخاطر التي يمكن أن تنتج عن الجمع بين البيانات الشخصية والاستهداف السياسي.
وتطرق كذلك إلى تنامي دور الحسابات الوهمية، التي يمكن أن تعمل بشكل منسق أو آلي لتضخيم رسائل سياسية معينة، أو دعم مرشحين، أو مهاجمة المنافسين، لتتحول في بعض الحالات إلى ما يشبه «جيوشاً إلكترونية» قادرة على التأثير في النقاش العام ورفع انتشار رسائل محددة.
وأضاف أبو الكلام أن تجارب دولية أظهرت إمكانية توظيف مثل هذه الأساليب للتأثير في الرأي العام خلال الفترات الانتخابية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن انتشار الأخبار الزائفة والمحتويات المصطنعة يمثل تحدياً إضافياً أمام الناخب المغربي، خصوصاً مع التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبرز بذلك تحدي تعزيز الثقة الرقمية واليقظة لدى المواطنين، إلى جانب ضرورة التصدي للمعلومات المضللة والحسابات الوهمية والمحتويات التي يتم إنتاجها أو تعديلها بواسطة الذكاء الاصطناعي. فكلما ارتفعت قدرة التكنولوجيا على التأثير في ما يراه الناخب، أصبحت حماية نزاهة الاختيار الانتخابي مرتبطة ليس فقط بصناديق الاقتراع، وإنما أيضاً بالفضاء المعلوماتي الذي يسبق الوصول إليها.

