ثمة أماكن تشبه الصندوق الأسود لذاكرة المدن؛ قد تتبدل واجهاتها وتتغير بضائعها وتندثر مهن لتحل محلها أخرى، لكن روح المكان تأبى الرحيل، وكأن جدرانه وحدها تحتفظ بتفاصيل من كانوا يقفون خلف كل باب، ومن كانوا يأتون كل صباح بلوائح مشترياتهم، قبل أن يُخترع تطبيق “واتساب”.
في السوق الأول لمدينة إنزكان، الذي نشأ مع توسع المدينة خارج أسوارها القديمة، تدخل عبر بوابة تبدو امتداداً طبيعياً لأقواس تجار الملابس التقليدية، ليستقبلك في البداية محل جزارة، لرجل كان يعرف كل قطعة لحم باسمها، ويعرف زبائنه كما يعرف سكاكينه. وعلى جانبيه تتوزع محلات اللحوم الحمراء، من الخروف إلى لحم الجمل، وبالقرب منها ركن صغير لبيع السمك الطري بالتقسيط، وكأن البحر ذاته يراعي جيوب البسطاء.
أما فناء الوسط فكان له عالمه الخاص، حيث تُباع الأحشاء و”الدوارة” ومشتقاتها، فيما يتوزع على الجانب الآخر عالم الخضر والفواكه والزيتون والتوابل، إلى جانب محلات العطارة والأعشاب البرية المرتبطة في الذاكرة الشعبية بالتداوي. هذا كان السوق اليومي الأول لمدينة إنزكان في طفولتها وشبابها، وما زال قائماً في مكانه، لكن بمنطق تشغيل مختلف تماماً.
فبينما احتفظ الجناح الأيسر، جناح اللحوم، بكلاسيكيته مع بعض التحديثات التي فرضها الزمن، شهد الجناح الأيمن تحولاً جذرياً جعل المنطقة برمّتها تُعرف شعبياً باسم “هونغ كونغ إنزكان”؛ فضاء زاخر بالهواتف والحواسيب والرقائق الإلكترونية والشواحن، حيث يجلس في أزقة ضيقة شبان مغاربة بسطاء يتقنون فك شفرات أعقد الأجهزة، وسط دخان كثيف يتصاعد من “كاويات” لحام الأسلاك، في مشهد يوحي بطقوس غامضة، قبل أن يعيدوا أحدث الهواتف إلى الحياة في نصف ساعة فقط، بينما لا يزال المهندسون في كاليفورنيا يبحثون عن الثغرات الأمنية نفسها.
لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في محل مجاور خارج عن هذا السياق التكنولوجي تماماً، حيث تلمح أسطوانة فونوغراف قديمة عليها أغنية لأم كلثوم، توضع، وفق صاحب المحل، كوصفة لعلاج الصداع النصفي “الشقيقة”، إلى جانب حيوانات محنطة ووصفات من الطب الشعبي القديم، في تجاور غريب بين عالمين لا يلتقيان: عالم الرقائق الإلكترونية وعالم الحكايات الشعبية.
وما بين المحلين لا تفصل سوى بضعة أمتار، لكنها تختصر مسافة قرن كامل من التحول: من الجزار إلى الهاتف الذكي، ومن الأعشاب البرية إلى الرقائق الإلكترونية، ومن “الطب” الذي تناقلته الحكايات الشعبية إلى تقنية لا تمنحك حتى وقتاً لحفظ اسم موديلها الجديد. سوق إنزكان لم يغير أسراره رغم تبدل بضاعته ووجوهه، وحين تمشي في أزقته لن تعرف أبداً إن كنت تسير في الماضي أم في المستقبل، لكنك ستدرك، بلا شك، أنك في إنزكان وحدها، المدينة التي تضع النقيضين جنباً إلى جنب دون أن تعتذر لأي منهما.

