تتجه المديرية العامة للضرائب نحو إرساء نظام إلزامي للفوترة الإلكترونية بالمغرب، بهدف تعزيز شفافية المعاملات التجارية والحد من الفواتير الوهمية والغش الضريبي، في إصلاح مرتقب يفرض على المقاولات تحديث أنظمتها المحاسبية والرقمية، وسط تساؤلات بشأن كلفة الامتثال ومدى جاهزية المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
ويستند المشروع إلى مقتضيات قانونية أُقرت بموجب قانون المالية لسنة 2018، غير أن تنزيله ما يزال ينتظر صدور النصوص التنظيمية التي ستحدد الجدول الزمني للتطبيق والقطاعات والعتبات المعنية، فضلا عن الجزاءات المحتملة في حال عدم الامتثال.
وكانت المديرية العامة للضرائب قد عرضت، خلال شهري فبراير وأبريل الماضيين، توجهات نحو اعتماد تطبيق تدريجي يبدأ بالمقاولات الكبرى والمعاملات بين المهنيين، مع توفير واجهة إلكترونية مجانية لفائدة المقاولات الصغيرة، دون تحديد موعد رسمي لبدء التطبيق الإلزامي.
ويرتقب أن يعتمد النظام على منصة مركزية للمصادقة المسبقة على الفواتير الإلكترونية، بما يتيح التحقق من صحة بياناتها ومطابقة فواتير الموردين والزبناء مع التصريحات الضريبية، ويساعد على رصد التناقضات والعمليات غير المصرح بها، خصوصا تلك المرتبطة بتضخيم التكاليف أو الاستفادة غير المستحقة من خصومات الضريبة على القيمة المضافة.
ويأتي هذا الإصلاح في سياق ارتفاع المداخيل الضريبية بنسبة 74 في المائة بين سنتي 2021 و2025، لتصل إلى 291 مليار درهم، فيما بلغت حصيلة الضريبة على القيمة المضافة 71 مليار درهم، بزيادة قدرها 58 في المائة خلال الفترة نفسها. غير أن نجاح المشروع يظل مرتبطا بقدرة المقاولات على مواكبة التحول الرقمي دون الإضرار بتوازناتها المالية وسير معاملاتها.
كلفة الامتثال وتحديات المقاولات الصغيرة
لن يقتصر الانتقال إلى الفوترة الإلكترونية على التخلي عن الوثائق الورقية، بل سيستلزم مراجعة المساطر المحاسبية والإدارية، وتحديث البرمجيات، وتوحيد قواعد البيانات، وضبط المعرفات الجبائية ومعدلات الضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب تنظيم عمليات إصدار الفواتير وتصحيحها وأرشفتها.
واعتبر عبد الرزاق الكوني، الخبير المحاسب والمستشار في القوانين الضريبية، أن هذا التحول لا يقتصر على اعتماد برنامج معلوماتي جديد، بل يشمل إعادة تنظيم مسار المعالجة المحاسبية والتجارية، من إعداد الفاتورة إلى تسجيلها واستخلاص قيمتها، ما يستدعي استعدادا مبكرا لتفادي الارتباك عند دخول النظام حيز التنفيذ.
وأوضح الكوني أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة ستكون الأكثر عرضة لصعوبات الامتثال، بسبب محدودية إمكانياتها التقنية والبشرية، واعتماد بعضها على أنظمة تقليدية أو برامج غير مهيأة للتواصل مع المنصة الجبائية. كما نبه إلى التكاليف الإضافية المرتبطة بتحديث البرمجيات وتكوين المستخدمين وتنقية قواعد البيانات.
وتبرز المؤشرات المتاحة تفاوتا بين المقاولات في مجال الرقمنة، إذ بلغت نسبة الولوج إلى الإنترنت 97,9 في المائة لدى المقاولات الصغرى والمتوسطة، مقابل 99,5 في المائة لدى المقاولات الكبرى، بينما لم تتجاوز نسبة استعمال البرمجيات المهنية المتخصصة 59 في المائة من المقاولات المشمولة بالمعطيات المرجعية.
وفي السياق ذاته، أظهر تقرير للبنك الدولي صدر في يوليوز 2026، واستند إلى بحث شمل 1256 مقاولة مغربية، أن أقل من مقاولة واحدة من كل خمس تعتمد بشكل مكثف تكنولوجيات متقدمة، من قبيل أنظمة التدبير المندمج، مع استمرار الكلفة ونقص الكفاءات التقنية والتنظيمية ضمن أبرز عوائق التحول الرقمي.
وحذر الكوني من أن أخطاء مثل عدم تطابق المعرف الجبائي للزبون أو تطبيق معدل غير صحيح للضريبة على القيمة المضافة قد تتحول إلى عوائق تمنع المصادقة على الفاتورة، ما قد يؤخر إرسالها إلى الزبون واستخلاص المستحقات.
وأضاف أن أي تأخير في المصادقة يمكن أن ينعكس على خزينة المقاولات، خصوصا تلك التي تعاني من طول آجال الأداء وضعف السيولة، مشددا على ضرورة توفير آليات لمعالجة الأخطاء التقنية وضمان استمرارية الخدمة عند تعطل المنصة.
وتواجه المقاولات الصغيرة جدا تحديات إضافية، بالنظر إلى اعتماد بعضها على مساطر يدوية أو تطبيقات محدودة الوظائف، وعدم توفرها بالضرورة على موارد بشرية متخصصة في المحاسبة والمعلوميات. كما قد تجد المقاولات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بمجموعات كبرى نفسها مطالبة بالتكيف المبكر مع النظام، قبل حلول آجال خضوعها القانوني له.
ودعا الخبير المحاسب المقاولات إلى مراجعة معطياتها المحاسبية وتنظيم مساطر الفوترة وتحديد احتياجاتها التقنية، مع تجنب اقتناء حلول معلوماتية مكلفة قبل صدور المواصفات الرسمية، مؤكدا أهمية توفير مواكبة مهنية وتقنية تراعي خصوصيات المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
محاربة الفواتير الوهمية وتسريع استرجاع الضريبة
يراهن الإصلاح على تطوير آليات المراقبة الضريبية من خلال تمكين الإدارة من معالجة بيانات منظمة حول المعاملات التجارية ومقارنتها بالتصريحات الجبائية بسرعة ودقة أكبر.
وأوضح محمد أمين بنرحمون، الخبير المحاسب المتخصص في السياسات الضريبية، أن الفوترة الإلكترونية تمثل تحولا في أسلوب المراقبة الجبائية، إذ تتيح الانتقال تدريجيا من مراقبة المعاملات بعد إنجازها إلى تتبع بياناتها والتحقق منها بشكل شبه فوري، بما يساعد على كشف التناقضات والاختلالات المرتبطة بالتهرب الضريبي.
وأضاف أن اعتماد منصة مركزية للمصادقة على الفواتير من شأنه تعزيز قدرة الإدارة على مطابقة المبيعات المصرح بها لدى الموردين مع المشتريات المسجلة لدى الزبناء، خصوصا في مجال الضريبة على القيمة المضافة، الذي يعرف استعمال الفواتير الوهمية والتصريحات غير المطابقة.
وتكتسي هذه الآلية أهمية في ضوء تقديرات المدير العام للضرائب، يونس إدريسي قيطوني، الذي سبق أن قدر حجم الظاهرة المرتبطة بالفواتير الوهمية بما يتراوح بين 40 و50 مليار درهم، خلال لقاء مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب في فبراير الماضي، مشيرا إلى مساهمة إجراءات جبائية سابقة في تقليصها بنسبة 83 في المائة.
ومن المنتظر أن يمتد أثر النظام إلى معالجة طلبات استرجاع الضريبة على القيمة المضافة، التي تشكل أحد مصادر الضغط على سيولة المقاولات، خصوصا الشركات المصدرة التي تتراكم لديها مبالغ قابلة للاسترجاع.
وبحسب المعطيات المرجعية، بلغت متأخرات استرجاع الضريبة على القيمة المضافة 42,2 مليار درهم في نهاية سنة 2020، قبل تسارع عمليات التسوية خلال السنوات اللاحقة، إذ وصلت المبالغ المرجعة إلى 22 مليار درهم سنة 2024، مقابل مستويات سنوية تراوحت سابقا بين 6 و7 مليارات درهم.
ويرى بنرحمون أن توفر الإدارة على فواتير إلكترونية موثوقة ومهيكلة قد يسرع دراسة طلبات الاسترجاع، من خلال تقليص الحاجة إلى التحقق اليدوي ومطابقة البيانات بين الموردين والزبناء، لكنه شدد على أن تحقيق هذه النتيجة يظل رهينا بفعالية المنصة وتكاملها مع الأنظمة المعلوماتية المعتمدة في معالجة التصريحات والملفات الجبائية.
الفوترة الإلكترونية وآجال الأداء
قد تسهم المنظومة الجديدة أيضا في تحسين مراقبة آجال الأداء بين المقاولات، في إطار تطبيق القانون رقم 69.21، الذي يحدد أجل الأداء في 60 يوما عند غياب اتفاق، مع إمكانية الاتفاق على أجل يصل إلى 120 يوما، أو 180 يوما في بعض القطاعات المستفيدة من استثناءات خاصة.
وفي حال ربط منصة الفوترة بآليات تتبع آجال الأداء، ستتيح المعطيات المتعلقة بتواريخ إصدار الفواتير وتسلمها التحقق بشكل أدق من احترام الالتزامات التجارية، وقد تساعد على تقليص النزاعات بشأن تاريخ نشوء الدين أو استحقاق الأداء.
وتكتسي هذه المسألة أهمية في ظل استمرار ارتفاع آجال الأداء في القطاع الخاص، رغم التحسن المسجل خلال السنوات الأخيرة. فقد أظهرت معطيات مرصد آجال الأداء تراجع آجال الزبناء إلى 98 يوما من رقم المعاملات سنة 2024، مقابل 70 يوما بالنسبة إلى آجال الموردين، محسوبة على أساس المشتريات.
وأكد بنرحمون أن تتبع الفواتير إلكترونيا قد يوفر معطيات أكثر دقة بشأن آجال الأداء ويحد من بعض الممارسات التي تؤخر تسوية المستحقات، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانية تتطلب التكامل بين المنصة الجبائية وآليات مراقبة الأداء، مع حماية حقوق المقاولات.
وشدد الخبير على أن نجاح الإصلاح لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرته على رفع المداخيل الضريبية ومحاصرة الغش، بل أيضا بمدى مساهمته في تبسيط الالتزامات الجبائية وتقليص المنازعات وتحسين مناخ الأعمال، مع ضمان تنزيل تدريجي يحمي المعطيات التجارية ويضمن استمرارية الخدمات الرقمية.
وفي انتظار صدور النصوص التنظيمية التي ستحدد آجال التنفيذ وشروط الامتثال، يبقى أمام المقاولات المغربية تحدي الاستعداد للتحول الرقمي دون تحمل استثمارات غير محسومة الجدوى، في وقت تراهن فيه الإدارة الضريبية على الفوترة الإلكترونية لتعزيز الشفافية وتحسين التحصيل ومراقبة المعاملات التجارية.

