تحتضن مدينة لاهاي الهولندية، خلال الفترة الممتدة من 28 أكتوبر إلى 7 نونبر 2026، فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان هولندا كناوة، بمشاركة فنانين ومعلمين مغاربة وموسيقيين من خلفيات فنية متنوعة، في تظاهرة تسعى إلى إبراز غنى التراث الكناوي وفتح آفاق جديدة للتفاعل بينه وبين الأنماط الموسيقية المعاصرة، تحت شعار «كناوة تربط العوالم».
ومنذ انطلاق نسخته الأولى سنة 2018، بمبادرة من مؤسسة «صوت الشباب متعدد الثقافات» (MJG)، يعمل المهرجان على ترسيخ حضور موسيقى كناوة في المشهد الثقافي الهولندي، من خلال برنامج يجمع الحفلات الموسيقية والورشات واللقاءات الفنية، ويقرب بين أجيال وتجارب موسيقية مختلفة.
ويقود المدير الفني للمهرجان، مصطفى بربوش، هذا المشروع برؤية تقوم على تقديم كناوة باعتبارها تراثا مغربيا حيا، يحمل ذاكرة ثقافية وفنية غنية، ويملك في الوقت ذاته قابلية للتجدد والتفاعل مع التعبيرات الموسيقية الحديثة.
وتحضر مدينة الصويرة، بما تمثله من مكانة في تاريخ هذا الفن، في الخلفية الثقافية للمهرجان، الذي ينقل الموروث الكناوي إلى فضاء لاهاي، حيث يلتقي فنانون مغاربة بموسيقيين مقيمين في هولندا، في تجارب مشتركة تتيح تبادل الخبرات والأساليب الفنية.
كما يشكل المهرجان مناسبة للأجيال المغربية المقيمة بهولندا للتواصل مع جانب من تراثها الموسيقي، والتعريف به لدى جمهور أوسع، بما يعزز جسور التبادل الثقافي بين البلدين.
كناوة تلتقي بالجاز والموسيقى الإلكترونية
تفتح الدورة الثامنة المجال أمام تجارب فنية تمزج إيقاعات كناوة، القائمة على القراقب وآلة الكنبري والغناء الجماعي، بأنماط موسيقية أخرى، من بينها الجاز والموسيقى الإلكترونية والتجارب الأوركسترالية، في تجسيد لقدرة هذا التراث على التفاعل مع تعبيرات فنية متعددة.
ويضم البرنامج مشاريع موسيقية من قبيل «Trans Sahara Electro» و«Elements of Baraka» و«Kalimba Quartet»، إلى جانب مشروع «Super Gnawa Girls» بمشاركة «Marmoucha Orchestra»، وهي تجارب تقدم قراءات مختلفة للإيقاعات الكناوية، مع الحفاظ على العناصر التي تمنحها خصوصيتها.
وتجمع هذه المشاريع موسيقيين ينتمون إلى مرجعيات فنية متنوعة، وتتيح لهم مساحات للارتجال والتفاعل الإيقاعي وتطوير أعمال مشتركة، بما يمنح موسيقى كناوة قوالب جديدة دون فصلها عن جذورها الثقافية.
ومن خلال هذه اللقاءات، يتجاوز المهرجان تقديم العروض التقليدية إلى تشجيع الإبداع المشترك بين المعلمين والفنانين الشباب والموسيقيين المهتمين بالتجريب، وتوسيع حضور هذا اللون الموسيقي داخل المشهد الفني الأوروبي.
أسماء مغربية وعروض في فضاءات ثقافية بارزة
تتوزع فعاليات المهرجان على عدد من الفضاءات الثقافية في لاهاي، من بينها المسرح الملكي وكورزو و«PAARD» ومسرح «دي ريخنتس» و«أماري»، ضمن برمجة تجمع بين العروض الموسيقية والأنشطة الثقافية الموجهة إلى فئات مختلفة من الجمهور.
ومن أبرز محطات البرنامج أمسية «كناوة والشعبي الملكية»، التي تجمع المعلم عبد الكبير مرشان والفنان عبد الله الداودي بالمسرح الملكي، في لقاء بين تعبيرين بارزين من الموسيقى المغربية، لكل منهما خصوصياته الفنية وجمهوره.
كما تعرف الدورة مشاركة حسن جدان، إلى جانب عروض «AGO!Gnawa» و«Remork & Karkaba»، ومشروع «Super Gnawa Girls» مع «Marmoucha Orchestra»، فضلا عن تجارب موسيقية أخرى تحتضنها مختلف الفضاءات المشاركة.
وتضم قائمة الفنانين المشاركين كذلك أنس لخساسي وفاطمة الزهراء جبلي وحليمة بولخير الكورد وإيجو بلجاوي، فيما يتيح حضور الكاتب رشيد نوڤاير مساحة للتعبير الأدبي إلى جانب العروض الموسيقية.
ومن المقرر أن تختتم فعاليات المهرجان يوم 7 نونبر بحفل لمجموعة «Gnawa Diffusion» في فضاء «أماري»، بعد أيام من اللقاءات الفنية التي تجمع أسماء راسخة في المشهد الموسيقي بتجارب جديدة منفتحة على أساليب متنوعة.
نقل التراث إلى الأجيال الجديدة
لا تقتصر أهداف مهرجان هولندا كناوة على تنظيم الحفلات، بل تمتد إلى نقل المعرفة الموسيقية وتشجيع المواهب الشابة، عبر ورشات ولقاءات وجلسات مشتركة تتيح الاحتكاك المباشر بالفنانين والمعلمين.
وتمنح هذه الأنشطة المشاركين فرصة للتعرف على الآلات والإيقاعات وأساليب الأداء المرتبطة بموسيقى كناوة، إلى جانب اكتساب خبرات في العزف الجماعي والارتجال والتفاعل مع موسيقيين من تجارب مختلفة.
ويحظى مشروع «Super Gnawa Girls» بمكانة ضمن هذا التوجه، من خلال إبراز المشاركة النسائية في التجارب المستلهمة من التراث الكناوي، وفتح المجال أمام أصوات جديدة للوصول إلى جمهور أوسع.
كما يتضمن البرنامج أنشطة موجهة إلى الأطفال والشباب، تروم تقريبهم من الموسيقى عبر التجربة المباشرة، وتشجيعهم على اكتشاف الآلات والإيقاعات، بما يسهم في بناء علاقة مبكرة مع هذا الموروث الفني.
وتتجاوز بعض الفعاليات الفضاءات المغلقة، من خلال جولات ثقافية ومواكب موسيقية تتيح للجمهور التفاعل مع العروض في شوارع المدينة، وتعرف سكان لاهاي بالموسيقى المغربية خارج المسارح والقاعات المعتادة.
ويأتي هذا التوجه في إطار سعي المنظمين إلى توسيع المشاركة الثقافية وتعزيز حضور التعبيرات الفنية المرتبطة بالتنوع المجتمعي داخل المؤسسات الثقافية الهولندية، عبر شراكات تجمع الفنانين والجمهور والفاعلين الثقافيين.
ومن خلال التعاون مع مؤسسات من قبيل المسرح الملكي وكورزو و«PAARD» ومسرح «دي ريخنتس» و«أماري»، يواصل المهرجان العمل على ترسيخ مكانة كناوة ضمن الحياة الثقافية في لاهاي، وفتح فرص جديدة أمام الفنانين المغاربة للتعاون مع نظرائهم في هولندا.
وتقدم الدورة الثامنة، بذلك، برنامجا يجمع بين صون الذاكرة الموسيقية المغربية وتجديد أساليب تقديمها، لتتحول لاهاي إلى فضاء للقاء بين التراث والإبداع المعاصر، وتجد إيقاعات كناوة امتدادا جديدا خارج حدود المغرب.

