
في أجواء إيمانية وروحية مفعمة بالمحبة والسكينة، احتفت الزاوية الأم للطريقة الصمدية الشاذلية المشيشية بمدينة طنجة بالمدرسة العلمية العتيقة عكربان بإقليم اشتوكة آيت باها، وذلك في رحاب الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، والذي نظممته الطريقة الصمدية الشاذلية المشيشية يوم الثلاثاء 12 ربيع الأول 1448هـ،الموافق 25 غشت 2025، برحاب الزاوية الأم بطنجة، تحت شعار: «ارتقاء الحقائق في الاحتفال بمولد سيد الخلائق محمد صلى الله عليه وسلم»، بحضور شيخ الطريقة ومربيها الشيخ محمد العربي الصمدي، وبمشاركة فقراء الطريقة ومحبيها وضيوفها من داخل المملكة المغربية وخارجها.

وجاء هذا الاحتفاء بالمدرسة وطلبتها ليجسد عمق الصلات التي تجمع بين الزوايا المغربية والمدارس العلمية والقرآنية العتيقة، باعتبارهما مكونين أصيلين في المشهد الديني المغربي، اضطلعا، كل من موقعه، بأدوار متكاملة في خدمة كتاب الله تعالى، ونشر العلم، وتربية الناشئة، وترسيخ قيم الإحسان والمحبة والوسطية والاعتدال والحفاظ على التوابث الدينية والوطنية للمملكة المغربية الشريفة .
وقد شكل حضور المدرسة العلمية العتيقة عكربان في هذه المناسبة امتداداً لرسالتها العلمية والتربوية في خدمة القرآن الكريم وتعليمه، وتكوين الطلبة في العلوم الشرعية، والحفاظ على تقاليد المدرسة القرآنية السوسية، بما تمثله من رصيد علمي وثقافي وروحي متجذر في تاريخ المنطقة.

وقدم طلبة وشباب المدرسة خلال فعاليات الاحتفال تلاوات قرآنية وفق الطريقة السوسية في الأداء، في مشهد جمع بين أصالة المدرسة القرآنية بسوس وروحانية الزاوية الصمدية بطنجة، وحمل إلى رحاب الزاوية نفحات من تقاليد الأداء القرآني التي اشتهرت بها مدارس سوس العلمية العتيقة.
وقد حظيت مشاركة المدرسة بتقدير خاص من طرف الطريقة الصمدية الشاذلية المشيشية، حيث تم تكريم المدرسة وطلبتها في شخص فقيهها وعميدها الحاج عبد الله السعيدي الأوصالي، تقديراً لجهوده في خدمة كتاب الله تعالى تعليماً وتدريساً، ولإسهامه في تأطير الطلبة وتربيتهم على قيم الإحسان والمحبة والوسطية والاعتدال.
وقد شكلت الزوايا والمدارس العلمية العتيقة على امتداد التاريخ المغربي منظومة متكاملة في خدمة الدين والعلم والتربية؛ فالمدارس العلمية العتيقة اضطلعت بتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية وتكوين الناشئة، فيما أسهمت الزوايا في الذكر والتربية والسلوك وخدمة المجتمع، وظل بينهما ارتباط وثيق وتكامل في الأدوار، يجمعهما الحرص على الحفاظ على الثوابت الدينية والوطنية، وترسيخ قيم الإحسان والمحبة والوسطية والاعتدال، وصيانة الموروث الديني والعلمي المغربي ونقله إلى الأجيال المتعاقبة.
ومن هذا المنطلق، يكتسي احتفاء الزاوية الصمدية بالمدرسة العلمية العتيقة عكربان في رحاب المولد النبوي الشريف دلالة خاصة، إذ يجسد هذا اللقاء امتداداً لذلك الارتباط الأصيل بين الزاوية والمدرسة، ويعكس انفتاح المؤسسات الدينية المغربية على بعضها البعض، وتقديرها لأدوارها المتكاملة في خدمة القرآن الكريم والعلم والتربية، والحفاظ على الثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية.

وعرفت المناسبة حضوراً لافتاً لفقراء الطريقة الصمدية الشاذلية المشيشية من داخل الوطن وخارجه، إلى جانب عدد من المحبين والمهتمين، وتضمن برنامج الاحتفال تلاوة القرآن الكريم، والمديح النبوي، والسماع الصوفي، وكلمات توجيهية ومداخلات علمية شارك فيها عدد من الأساتذة والباحثين في مجال التصوف السني، في أجواء طبعتها المحبة والخشوع والسكينة.
كما شكل حضور الشيخ المربي محمد العربي الصمدي، شيخ الطريقة الصمدية الشاذلية المشيشية، محطة بارزة في هذا اللقاء، الذي جمع أهل القرآن والعلم والذكر، وأبرز حرص الزاوية على التواصل مع المدارس العلمية العتيقة وتثمين أدوارها في خدمة كتاب الله تعالى والتربية الدينية، وترسيخ قيم الاعتدال والإحسان.
واختتمت فعاليات الاحتفال بتلاوة برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى السدة العالية بالله، أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، قبل أن تختتم الليلة بالدعاء الخالص لأمير المؤمنين وللمملكة المغربية، حفظها الله وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والوحدة.
ومن عكربان إلى طنجة، ومن طنجة إلى عكربان، تمتد جسور القرآن والعلم والتربية والذكر؛ فالمدرسة تحمل رسالة القرآن والعلم، والزاوية تحتضن الذكر والتربية، وبينهما تظل المحبة في الله وخدمة كتابه تعالى جسراً موصولاً. وهكذا يغدو الاحتفاء بالمدرسة في رحاب الزاوية صورة مشرقة من صور التواصل بين المؤسسات الدينية المغربية، وتجسيداً لعلاقة أصيلة تجمع الزوايا بالمدارس القرآنية والعلمية، وتؤكد استمرار رسالتها المشتركة في الحفاظ على الثوابت الدينية والوطنية، وصيانة الموروث العلمي والروحي المغربي.

