دقت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ناقوس الخطر بشأن التطورات المتسارعة لظاهرة “إل نينيو”، بعدما أكدت أن الظاهرة أصبحت مستقرة بشكل واضح، وأنها مرشحة لمزيد من القوة خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال يقارب 100 في المائة لاستمرارها إلى غاية فبراير 2027.
وأوضحت المنظمة التابعة للأمم المتحدة، في أحدث تحديث لها، أن ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي بشكل استثنائي يدفع “إل نينيو” نحو مستوى قوي جداً، وسط توقعات بأن تبلغ الظاهرة ذروتها مع نهاية السنة الجارية، فيما قد تمتد تداعياتها المناخية إلى العام المقبل.
تحذيرات من موجات حر وجفاف وفيضانات
ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على ارتفاع درجات الحرارة، إذ يمكن لـ”إل نينيو” أن يحدث اضطرابات واسعة في أنماط التساقطات والحرارة بمناطق مختلفة من العالم، ما يرفع مخاطر موجات الحر الشديدة والجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات.
وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن طبيعة التأثيرات تختلف من منطقة إلى أخرى، بحسب الموقع الجغرافي والفصل وشدة الظاهرة، مشيرة إلى أن القطاعات الأكثر عرضة للتأثر تشمل الفلاحة والمياه والطاقة والصحة والأمن الغذائي.
وفي السياق ذاته، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحذيراً شديد اللهجة، معتبراً أن العالم يدخل مرحلة تتزايد فيها مخاطر الظواهر الجوية القصوى، في وقت حذرت فيه الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيليست ساولو، من أن اشتداد “إل نينيو” قد يوجه ضربة قوية للمجتمعات والاقتصادات.
المغرب في مرمى التداعيات المناخية
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، الذي يواجه منذ سنوات تحديات مرتبطة بتراجع الموارد المائية وتقلب التساقطات، فيما يظل القطاع الفلاحي من أكثر القطاعات ارتباطاً بالظروف المناخية.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث في المناخ رشيد فاسح أن التحذيرات الدولية الأخيرة تمثل “جرس إنذار حقيقياً” بشأن حجم المخاطر التي باتت تفرضها التقلبات المناخية، مشيراً إلى أن ارتفاع حرارة المحيطات وتزايد الظواهر الجوية القصوى يجعلان الاستعداد المسبق أكثر إلحاحاً.
وأوضح فاسح، في تصريح لـ”هسبريس”، أن تداعيات هذه الاضطرابات يمكن أن تنعكس على المغرب من خلال الضغط على الموارد المائية والإنتاج الفلاحي، خصوصاً في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على التساقطات المطرية.
وأضاف أن استمرار الظروف المناخية الصعبة قد يزيد من هشاشة الزراعات البورية، ويؤثر على المراعي الطبيعية، كما يمكن أن ينعكس على الإنتاج الغذائي والأسعار والقدرة الشرائية، في حال تزامنت الصدمات المناخية مع مواسم فلاحية ضعيفة.
تحلية المياه والري الذكي في الواجهة
وأمام هذه التحديات، يشدد الباحث على أن التعامل مع المخاطر المناخية لم يعد يقتصر على التدخل بعد وقوع الأزمات، وإنما يتطلب تعزيز سياسة استباقية قادرة على تقليص آثار الجفاف والفيضانات والتقلبات الحادة.
ومن بين الإجراءات التي يرى أنها باتت أكثر إلحاحاً، تسريع مشاريع تحلية مياه البحر، وربط الأحواض المائية، وتوسيع استخدام تقنيات الري الحديثة والمقتصدة للمياه، إلى جانب تعزيز البنيات التحتية القادرة على مواجهة مخاطر الفيضانات.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات في المناطق ذات النشاط الفلاحي المكثف، حيث يمكن لأي اضطراب كبير في التساقطات أو درجات الحرارة أن ينعكس في الوقت نفسه على الإنتاج الزراعي والموارد المائية.
سوس-ماسة.. التحدي أكبر
وتبرز جهة سوس-ماسة ضمن المناطق التي تفرض عليها هذه التطورات تحديات خاصة، بالنظر إلى ثقل النشاط الفلاحي والضغط المتواصل على الموارد المائية.
ويؤكد فاسح أن مواجهة تداعيات التغيرات المناخية تتطلب رؤية طويلة الأمد تراعي خصوصيات كل منطقة، وتوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، تشدد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على أهمية التوقعات المناخية المبكرة وأنظمة الإنذار والاستعداد المسبق، باعتبارها أدوات أساسية لحماية الأرواح وتقليص الخسائر في القطاعات الحساسة للمناخ.
وبينما تتجه “إل نينيو” نحو مزيد من القوة خلال الأشهر المقبلة، يطرح التطور سؤالاً ملحاً بالنسبة إلى المغرب: هل ستكون الاستعدادات الحالية كافية لاحتواء تداعيات موجة جديدة من التقلبات المناخية، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض تسريعاً أكبر لسياسات الماء والتكيف المناخي؟

