بدأ عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة في ليبيا في مغادرة الأراضي الليبية والعودة إلى المغرب، في ظل تفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي باتت تلقي بثقلها على حياة المقيمين، وسط استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
وبحسب مصادر من الجالية المغربية، فإن تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة، إلى جانب صعوبة الأوضاع الاقتصادية، دفعت أعداداً متزايدة من العمال المغاربة إلى إعادة النظر في مستقبل إقامتهم بليبيا، واختيار العودة إلى المملكة بحثاً عن ظروف معيشية أكثر استقراراً.
غلاء يلتهم الأجور وضغوط متزايدة
وأكدت المصادر ذاتها أن الوضع المعيشي أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد من أفراد الجالية، في ظل ارتفاع أسعار مختلف المواد والخدمات وتراجع قيمة العملة المحلية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مداخيل الأسر وقدرتها على مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
وأوضحت أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، بل باتت تشمل مجموعة من الإكراهات التي تراكمت خلال الفترة الأخيرة، من بينها الإجراءات المرتبطة بتسوية الوضعية القانونية للمقيمين، وما يترتب عن التأخر في القيام بها من غرامات مالية اعتبرتها المصادر ثقيلة بالنسبة إلى فئات من العمال المغاربة.
وترى المصادر أن هذه الظروف مجتمعة دفعت عدداً من المغاربة إلى اتخاذ قرار المغادرة، خصوصاً أولئك الذين لا تربطهم بليبيا التزامات عائلية تجعل العودة أكثر تعقيداً.
أزمة وقود وكهرباء تزيد الوضع تعقيداً
ولا تقف تداعيات الأزمة عند ارتفاع الأسعار، إذ تشير إفادات الجالية إلى أن مظاهر الاختلال الاقتصادي أصبحت حاضرة بقوة في الحياة اليومية، من خلال طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فضلاً عن الصعوبات المرتبطة بتوفير الطاقة.
وتعد أزمة الكهرباء من أبرز الملفات التي تزيد من تعقيد الوضع، إذ تتحدث المصادر عن تسجيل فترات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي في بعض المناطق، ما يؤثر بشكل مباشر على الأنشطة التجارية والخدماتية ويزيد من الأعباء التي تواجه الأسر.
ومع تراجع القدرة على تحمل هذه الظروف، اتسعت، وفق المصادر نفسها، حركة مغادرة العمال المغاربة، في وقت بقي فيه عدد محدود من أفراد الجالية، خصوصاً المتزوجين من ليبيات، ممن يجدون صعوبة أكبر في اتخاذ قرار الرحيل بسبب ارتباطاتهم الأسرية.
التضخم يتجاوز 8 في المائة
وتأتي هذه التطورات في وقت تكشف فيه البيانات الاقتصادية الليبية عن استمرار الضغوط على الاقتصاد المحلي.
ووفق الأرقام التي أوردها مصرف ليبيا المركزي، ارتفع معدل التضخم خلال الربع الأول من السنة الجارية إلى نحو 8.6 في المائة، فيما تجاوز سعر صرف الدينار الليبي مستوى ستة دنانير مقابل الدولار الأمريكي.
كما سجل رصيد السلع والخدمات تراجعاً كبيراً خلال سنة 2025، بحوالي 13.3 مليارات دينار ليبي، بعدما كان قد حقق فائضاً قدره 21.4 مليارات دينار خلال سنة 2023، في مؤشر يعكس حجم التحولات التي شهدها الاقتصاد الليبي خلال الفترة الأخيرة.
البطالة والتضخم.. أزمة اقتصادية مزدوجة
وفي قراءة للوضع الاقتصادي، يرى الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري أن ليبيا تواجه أزمة مزدوجة تتمثل في استمرار التضخم وارتفاع البطالة، في ظل غياب سياسات اقتصادية قادرة، بحسبه، على معالجة جذور المشكلتين.
وأوضح الفيتوري أن معدل البطالة يظل مرتفعاً، مشيراً إلى أنه لا يقل عن 40 في المائة، مع استمرار ما يعرف بالبطالة المقنعة داخل عدد من مؤسسات القطاع العام.
واعتبر الخبير الاقتصادي أن استمرار هذه المؤشرات يفرض ضغوطاً إضافية على الأسر الليبية والمقيمين، ويحد من قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة وتحقيق نمو مستدام.
إنفاق عمومي وضغوط على العملة
كما انتقد الفيتوري طريقة تدبير السياسة المالية والنقدية في البلاد، معتبراً أن استمرار الإنفاق العمومي خارج إطار موازنة موحدة ومعتمدة يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي.
وبحسب الخبير ذاته، لم تتمكن الإجراءات النقدية المتخذة حتى الآن من احتواء الضغوط التي يتعرض لها الدينار الليبي أو إعادة التضخم إلى مستويات أكثر استقراراً.
وفي ظل استمرار هذه الاختلالات، يجد عدد من المغاربة المقيمين في ليبيا أنفسهم أمام خيار صعب بين تحمل كلفة المعيشة المتزايدة والاستمرار في العمل، أو العودة إلى المغرب، في وقت تبدو فيه الأزمة الاقتصادية الليبية عاملاً متزايد التأثير في قرارات الهجرة والإقامة داخل البلاد.

