يستعد البرلمان الأوروبي لمناقشة تداعيات الأحداث التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، في جلسة يرتقب أن تتناول الأزمة تحت عنوان يشير إلى «الهجمات الهجينة الحديثة» و«توظيف المهاجرين»، في وقت لا تزال فيه ملابسات التحرك الجماعي والجهات التي ساهمت في تنظيمه موضع نقاش سياسي وأمني.
وشهدت سبتة في 30 يوليوز تدفقاً استثنائياً للمهاجرين، حيث قدرت مصادر إسبانية وأوروبية عدد الوافدين بعشرات الآلاف، فيما أشار أحدث ملخص بحثي للبرلمان الأوروبي إلى نحو 80 ألف شخص، مع تسجيل عشرات الوفيات خلال محاولات العبور.
وفي هذا السياق، يطرح رئيس لجنة برلمانية مشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لحسن حداد، في مقال رأي نشره مؤخراً، ضرورة التمييز بين الوقائع الميدانية وبين الاستنتاجات المتعلقة بوجود قرار سياسي مسبق من طرف الدولة المغربية. ويرى أن خطورة الأحداث تستوجب التحقيق في مختلف جوانبها، دون اعتبار حجم التحرك وحده دليلاً على وجود توجيه حكومي.
ويشير المقال إلى أن النقاش ينبغي أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة المنفصلة، من بينها كيفية تطور الأحداث ميدانياً، وما إذا كانت هناك اختلالات في التدبير الأمني، والدور الذي لعبته شبكات التهريب والتعبئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم السؤال الأكثر حساسية المتعلق بوجود قرار رسمي بتسهيل عملية العبور أو توجيهها.
وتدعم معطيات منشورة حديثاً وجود تعبئة رقمية سبقت الأحداث. فقد كشفت وثائق استخباراتية إسبانية أُفرج عنها مؤخراً أن أجهزة الأمن الإسبانية كانت قد حذرت، في 29 يوليوز، من محاولات منظمة للعبور الجماعي يجري الترويج لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مع الإشارة إلى مجموعات كبيرة من المتابعين.
كما أشار مركز الأبحاث التابع للبرلمان الأوروبي إلى أن الأزمة ارتبطت بموجة من المعلومات المضللة على الإنترنت، وأن الدعوات إلى العبور الجماعي وانتشار محتويات رقمية حول فرص الوصول إلى سبتة شكلت أحد العوامل التي سبقت الأحداث.
في المقابل، تبقى مسألة الدور الذي لعبته السلطات المغربية موضع خلاف. فقد تضمنت الوثائق الإسبانية التي كُشف عنها اتهامات بشأن مستوى تدخل القوات المغربية خلال الأزمة، بينما نفى رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وجود أدلة تثبت أن المغرب خطط لعملية العبور أو نسقها.
ويرى المقال أن وجود قصور محتمل في ضبط الحدود، إن ثبت، لا يكفي وحده لإثبات وجود قرار سياسي بتوظيف الهجرة كأداة ضغط، داعياً إلى الفصل بين «القدرة» على منع تحرك ما وبين إثبات «القصد» في تنظيمه أو تسهيله.
وتطرح هذه النقطة نفسها أيضاً في ما يتعلق بمفهومي «الابتزاز» و«الحرب الهجينة»، اللذين استُخدما في النقاش السياسي المرتبط بالأزمة. فإطلاق هذه التوصيفات يتطلب، بحسب الطرح الوارد في المقال، تحديد الأدلة التي تثبت وجود هدف سياسي محدد، وآلية ضغط واضحة، وتسلسل في المسؤولية يربط بين القرار السياسي والتحرك الميداني.
وفي المقابل، سبق أن اتهم مسؤولون أوروبيون وممثلون سياسيون المغرب باستخدام الهجرة أداة للضغط، بينما يرفض المغرب هذه المقاربة. كما أن البرلمان الأوروبي سبق له، في أزمة سبتة لسنة 2021، أن تبنى قراراً اتهم السلطات المغربية باستخدام القاصرين في سياق الأزمة آنذاك.
أما على مستوى التدبير اللاحق لأحداث يوليوز، فقد أعلنت إسبانيا والمغرب التعاون بشأن إعادة أعداد كبيرة من الأشخاص الذين دخلوا سبتة، فيما أكدت السلطات الإسبانية أن معظم الوافدين عادوا إلى المغرب خلال الأيام الأولى للأزمة.
ويطرح المقال، في ضوء ذلك، ضرورة تحديد الجهات التي استغلت هشاشة المهاجرين، سواء تعلق الأمر بشبكات تهريب أو وسطاء أو حسابات رقمية أو جهات أخرى، بدل افتراض المسؤولية السياسية قبل استكمال التحقيق في مصادر الدعوات وشبكات التنظيم والتمويل والتنسيق.
ومن المنتظر أن يشكل نقاش البرلمان الأوروبي مناسبة لبحث مختلف أبعاد الأزمة، بما فيها حماية الحدود الخارجية للاتحاد، ومكافحة شبكات التهريب، ومواجهة التضليل الرقمي، وآليات الإنذار المبكر، إلى جانب الوضع الإنساني للمهاجرين والضحايا.
وبحسب مقال لحسن حداد، فإن معالجة أحداث سبتة تقتضي، إلى جانب المساءلة، بناء تسلسل زمني دقيق للوقائع والتمييز بين ما هو مثبت وما يزال محل ادعاء، بما يسمح بتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة بدل الاكتفاء بالتوصيفات السياسية.

