ارتفاع حصيلة ضحايا موجة العبور الجماعي نحو سبتة إلى 74 جثة بين المغرب وإسبانيا
تتواصل تداعيات موجة العبور الجماعي غير المسبوقة نحو مدينة سبتة المحتلة، بعدما ارتفع عدد الجثامين التي استقبلتها مصلحة الطب الشرعي بمدينة تطوان إلى 17 جثمانا، في وقت أعلنت فيه السلطات الإسبانية انتشال 57 جثة، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين، لتتحول الأزمة من تحد أمني إلى واحدة من أكبر المآسي الإنسانية التي عرفها غرب البحر الأبيض المتوسط خلال السنوات الأخيرة.
وأفاد مصدر مطلع لجريدة هسبريس بأن مصلحة الطب الشرعي بحي طابولة بمدينة تطوان استقبلت، يوم الجمعة، ثلاثة جثامين جديدة، لترتفع الحصيلة إلى 17 جثة ضمن ضحايا محاولة العبور الجماعي نحو سبتة. وأوضح المصدر أن الجثامين الثلاثة تعود إلى شاب مغربي من مدينة وجدة، ومهاجر سوداني، وطفلة تبلغ من العمر 12 سنة ما تزال مجهولة الهوية، مضيفا أن النيابة العامة المختصة أمرت بإخضاع جميع الجثث للتشريح الطبي، ضمن المسطرة القانونية الهادفة إلى تحديد أسباب الوفاة واستكمال الإجراءات القضائية والإدارية قبل تسليمها لذويها.
وكانت المصلحة قد استقبلت في مرحلة أولى 14 جثمانا، سُلِّم اثنان منها إلى أسرتيهما، فيما لا تزال غالبية الضحايا مجهولة الهوية، باستثناء حالات تعود إلى أشخاص من الدار البيضاء ومرتيل والقصر الكبير والمضيق ووجدة، إضافة إلى ضحيتين تحملان الجنسيتين اليمنية والسودانية.
وفي سياق متصل، كشف مصدر مسؤول أن السلطات المغربية أوقفت 70 شخصا على خلفية الأحداث التي شهدتها مدينة الفنيدق قرب معبر سبتة، مؤكدا أن جميع الموقوفين أودعوا رهن الحراسة النظرية لاستكمال البحث معهم، إذ يواجهون تهما ثقيلة تتعلق بمحاولة القتل العمد وإضرام النار وتخريب ممتلكات عمومية وخاصة.
من جهتها، أعلنت السلطات الإسبانية انتشال 57 جثة على الجانب الإسباني من الحدود، مرجّحة أن معظم الضحايا لقوا حتفهم غرقا أثناء محاولة الالتفاف سباحة حول الحاجز البحري بمنطقة تاراخال، فيما توفي آخرون خلال التدافع أو أثناء محاولة تجاوز المنشآت الحدودية.
وتشير المعطيات الرسمية الإسبانية إلى أن ما بين 50 و60 ألف شخص تمكنوا من الوصول إلى سبتة خلال أقل من 48 ساعة، قبل أن تؤكد وزارة الداخلية الإسبانية عودة أكثر من 48 ألفا منهم إلى المغرب، طوعا أو ضمن عمليات الإرجاع الرسمية. وتكشف مصادر صحافية إسبانية أن هذه الموجة غير مسبوقة في تاريخ المدينة، إذ تجاوز عدد الوافدين خلال يومين فقط مجموع حالات العبور غير النظامي المسجلة منذ سنة 2017، والبالغة 20 ألفا و37 حالة.
وأوضحت المصادر ذاتها أن غالبية المهاجرين دخلوا عبر ثلاثة مسالك: السباحة حول الحاجز البحري بتاراخال، أو عبور المعبر الحدودي سيرا على الأقدام، أو تجاوز الأسوار المحاذية للمنطقة الصناعية. كما تُظهر الإحصاءات الرسمية أن سبتة كانت تستقبل في الأحوال العادية نحو ألف مهاجر سنويا، فيما سجلت حتى منتصف يوليوز من سنة 2026 وحدها 2826 حالة عبور، أي أكثر من ضعف الأرقام المعتادة، قبل أن تشهد قفزة غير مسبوقة خلال اليومين الأخيرين.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كانت سبتة قبل هذه الأزمة ثالث أهم نقطة عبور غير نظامي نحو إسبانيا خلال سنة 2026، بعد جزر الكناري والبليار، فيما تؤكد بيانات وكالة “فرونتكس” أن المغاربة يشكلون الجنسية الأكثر حضورا على مسار غرب المتوسط، إلى جانب مهاجرين من الجزائر ومالي، وأن أغلب الوافدين إلى سبتة ينحدرون من مناطق مغربية مجاورة، خصوصا مدينة الفنيدق.
وتزداد الأزمة تعقيدا إنسانيا في ظل وجود آلاف القاصرين ضمن المشاركين في موجة العبور، إذ تشير تقديرات أولية إلى أن عددهم يتراوح بين 4000 و7000 قاصر، ما يطرح تحديات قانونية وإنسانية مرتبطة بالتعرف على هوياتهم وضمان حمايتهم، خصوصا الأطفال غير المصحوبين بذويهم.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى العواصم الأوروبية، إذ أعلنت فرنسا تشديد المراقبة على حدودها مع إسبانيا تنفيذا لتعليمات الرئيس إيمانويل ماكرون الذي أكد تضامن باريس مع مدريد، ورفعت البرتغال مستوى الرقابة على حدودها الجنوبية، فيما أعلنت إيطاليا تعليق العمل مؤقتا باتفاقية “شنغن” مع إسبانيا، في خطوة تعكس حجم القلق الذي أثارته الأزمة داخل الاتحاد الأوروبي.
وأعادت هذه التطورات ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش الأوروبي، وسط دعوات إلى تشديد حماية الحدود الخارجية للاتحاد، فيما يرى مختصون أن ما حدث يعكس تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وأمنية، إضافة إلى الدور الذي لعبته شبكات الاتجار بالبشر في نشر معلومات مضللة حول إمكانية البقاء داخل الأراضي الإسبانية بمجرد الوصول إلى سبتة.

