كشفت دراسة تقنية استراتيجية أعدها مكتب الدراسات SouthBridge A&I تحت إشراف لجنة رفيعة المستوى، عن تشخيص مفصل لوضعية قطاع الخزف بمدينة آسفي، مسجلة تراجعاً هيكلياً طال واحدة من أعرق الصناعات التقليدية بالمغرب، مقابل تقديم تصور طموح لإعادة بناء القطاع وتحويل المدينة إلى قطب وطني ودولي متخصص في صناعة الخزف.
وجرى عرض خلاصات الدراسة خلال ندوة تقنية احتضنتها القاعة الملحقة لمجلس جهة مراكش آسفي بمدينة آسفي، إلى جانب تقديم كتاب يوثق لتاريخ حرفة الخزف، من تأليف البروفيسور عكار، بعنوان «أشهر صانع خزف: العمالـي»، وذلك بحضور عامل إقليم آسفي محمد الفطاح وعدد من المسؤولين والمتدخلين المؤسساتيين والمهنيين.
واعتمدت الدراسة على مقاربة ميدانية واسعة قبل إعداد الاستراتيجية، شملت أكثر من 20 زيارة ميدانية للمقالع وورشات الإنتاج ونقط التسويق، وإجراء 35 مقابلة مع فاعلين مؤسساتيين ومهنيين، إضافة إلى تحليل أكثر من 20 دراسة، والاستناد إلى معطيات الإحصاء العام للحرفيين الذي شمل حوالي 238 زيارة لورشات الفخار. كما تمت الاستفادة من تجارب دولية في المجال، من بينها فرنسا والصين والبرتغال واليابان.
تراجع قطاع عريق رغم إرث يمتد لقرون
وأبرزت الدراسة أن آسفي ظلت لعقود من أهم مراكز صناعة الخزف في المغرب، مستفيدة من تاريخ يمتد لأكثر من خمسة قرون وشهرة دولية ارتبطت بشكل خاص بالخزف الأزرق، غير أن هذا الرصيد التراثي لم يعد كافياً لوحده للحفاظ على تنافسية القطاع.
وحسب المعطيات الواردة في الدراسة، يتراوح رقم معاملات قطاع الخزف حالياً بين 250 و280 مليون درهم، بينما أصبحت الصادرات تمثل أقل من 1 في المائة من رقم معاملات القطاع محلياً.
كما تراجع عدد الحرفيين الدائمين من حوالي 3000 سنة 2010 إلى نحو 1800 فقط سنة 2025، أي بانخفاض يقارب 40 في المائة خلال 15 عاماً، في حين لم تعد آسفي تمثل سوى حوالي 5 في المائة من صادرات الخزف المغربية.
وسجلت الدراسة كذلك أن ثلث الحرفيين فقط مسجلون في السجل الوطني للمقاول الذاتي أو مستفيدون من أنظمة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعكس استمرار حضور القطاع غير المهيكل بشكل واسع.
وترى الدراسة أن جائحة كوفيد-19 والفيضانات الأخيرة ساهمتا في تسريع تراجع النشاط، بعدما تسبب الوباء في انخفاض الطلب بأكثر من 50 في المائة، غير أن هذه الظروف لم تكن السبب الوحيد، بل كشفت عن اختلالات بنيوية تراكمت داخل القطاع على مدى سنوات.
سوق عالمي في نمو وآسفي خارج المنافسة
وفي وقت يشهد فيه سوق الخزف العالمي نمواً متواصلاً، قدرت الدراسة قيمته بحوالي 43 مليار دولار خلال سنة 2025، مع معدل نمو سنوي يقارب 4 في المائة، لا تزال منتجات خزف آسفي تتمركز بدرجة كبيرة ضمن الفئات المتوسطة والمنخفضة من حيث القيمة.
وتشير الدراسة إلى أن الطلب العالمي أصبح يتجه بشكل متزايد نحو المنتجات اليدوية ذات القيمة المضافة، والمواد المستدامة، والتصاميم المبتكرة، إضافة إلى المنتجات الصحية الخالية من الرصاص والكادميوم، فضلاً عن تنامي التجارة الرقمية، وهي مجالات ترى الدراسة أن القطاع المحلي لم يواكب تطوراتها بالشكل الكافي.
خمسة اختلالات تعرقل تنافسية الخزف
وحددت الدراسة مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تقف وراء تراجع القطاع، في مقدمتها صعوبة الولوج إلى المادة الأولية، إذ تستحوذ الصناعة على الجزء الأكبر من إنتاج الطين، ما يجعل الحرفيين يواجهون صعوبات في تأمين حاجياتهم.
كما أشارت إلى استمرار الاعتماد على المعالجة اليدوية للطين في نحو 75 في المائة من الحالات، الأمر الذي يؤثر على الإنتاجية ويجعل جودة المادة الأولية مرتبطة بشكل كبير بالظروف المناخية.
ومن بين المشاكل أيضاً ضعف تجهيز الورشات، حيث إن أكثر من 95 في المائة منها عبارة عن وحدات صغيرة أو متوسطة تفتقر إلى المعدات الحديثة، وهو ما يحد من قدرتها على تحقيق إنتاج منتظم والحفاظ على مستوى ثابت من الجودة.
أما التكوين المهني، فتشير الدراسة إلى أنه يواجه بدوره تحديات مرتبطة بضعف إقبال الشباب على المهنة، إذ لا يتجاوز عدد المتدربين في معهد التكوين 213 متدرباً.
وفي الجانب التجاري، رصدت الدراسة حضوراً قوياً للوسطاء، حيث يمر حوالي ثلثي الإنتاج عبر تجار الجملة، في مقابل ضعف كبير في التسويق الرقمي والولوج المنظم إلى الأسواق الخارجية. كما قدرت خسائر الإنتاج الناتجة عن رداءة الطين بحوالي 15 في المائة.
مراكش تستفيد من جزء مهم من القيمة المضافة
وسلطت الدراسة الضوء أيضاً على الفارق الكبير بين آسفي ومراكش من حيث جاذبية السياح والإنفاق المرتبط بالنشاط السياحي.
وبحسب المعطيات الواردة فيها، تستقبل مراكش حوالي 2.9 مليون سائح سنوياً، بمتوسط إنفاق يتراوح بين 1000 و2000 درهم يومياً، في حين لا تستقبل آسفي سوى نحو 19 ألف زائر، أغلبهم من السياح المحليين، بمتوسط إنفاق يتراوح بين 300 و500 درهم يومياً.
وترى الدراسة أن هذا التفاوت ساهم في دفع عدد من الصناع إلى نقل جزء من أنشطتهم نحو مراكش بحثاً عن أسواق أكثر ربحية وظروف أفضل للتسويق، وهو ما انعكس على المدينة بخسارة في حلقات الإنتاج والتوزيع معاً.
تجارب دولية تبرز فرص التطوير
وفي مقارنتها مع عدد من التجارب الدولية، خلصت الدراسة إلى أن خزف آسفي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج اليدوي محدود المكننة، مع بيع المنتجات بأسعار لا تعكس دائماً قيمتها التراثية.
في المقابل، تمكنت مدن مثل ليموج الفرنسية وأريتا اليابانية من تحويل الخزف إلى منتج فاخر مرتفع القيمة، بينما اختارت دول مثل الصين وتركيا تطوير نماذج صناعية واسعة النطاق تقوم على خفض التكلفة ورفع حجم الإنتاج.
وتعتبر الدراسة أن آسفي توجد حالياً بين هذين النموذجين دون الاستفادة الكاملة من مزايا أي منهما، ما يستدعي إعادة تنظيم سلسلة القيمة وتطوير الإنتاج والتسويق معاً.
مليار درهم رقم معاملات مستهدف في أفق 2032
ورغم صعوبة الوضع الحالي، تقترح الدراسة رؤية جديدة للنهوض بقطاع الخزف، تستهدف رفع رقم معاملات القطاع إلى حوالي مليار درهم في أفق سنة 2032.
كما تتضمن الأهداف رفع متوسط دخل الحرفي إلى حوالي 240 ألف درهم سنوياً، وزيادة صادرات خزف آسفي إلى نحو 240 مليون درهم، أي ما يقارب عشرة أضعاف المستوى الحالي، إلى جانب رفع عدد العاملين في القطاع من حوالي 2200 إلى نحو 4000 منصب شغل.
وترمي هذه الأهداف، وفق الدراسة، إلى استعادة آسفي لموقعها الريادي وطنياً وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية.
عشرة مشاريع لإعادة بناء القطاع
ولبلوغ هذه الأهداف، تقترح الدراسة برنامجاً تنفيذياً يمتد على ثلاث سنوات، ويرتكز على عشرة مشاريع استراتيجية، من أبرزها إنشاء وحدة صناعية لمعالجة الطين والبسكويت الخزفي بشراكة بين القطاعين العام والخاص.
كما تتضمن الخطة تحديث الورشات عبر منح قد تصل إلى 300 ألف درهم لكل ورشة، وإنشاء معرض دائم لخزف آسفي بمدينة مراكش، وإحداث تجمع مهني تحت اسم «كلستر خزف آسفي» يضم خدمات مرتبطة بالتصدير والتغليف واللوجستيك.
وتشمل المقترحات أيضاً إنشاء مركز للتميز في مجال الخزف، وإحداث صندوق لدعم المقاولات الناشئة بالقطاع، وإطلاق علامة تجارية موحدة تحت اسم «Safi Poterie»، فضلاً عن تنظيم مهرجان سنوي للخزف.
وتدعو الخطة كذلك إلى إعادة تأهيل قرية الخزافين وتثمين تلة الخزافين والمدينة العتيقة، بما يسمح بربط النشاط الحرفي بالسياحة الثقافية وتعزيز جاذبية المدينة.
وتخلص الدراسة إلى أن الإشكال الذي يواجه خزف آسفي لا يرتبط بغياب التراث أو المهارات الحرفية، وإنما باختلالات تمتد عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة، من توفير المادة الأولية إلى الإنتاج والتسويق والتصدير.
وترى أن معالجة هذه الاختلالات وتنفيذ المشاريع المقترحة يمكن أن يحول الخزف من نشاط تقليدي يواجه صعوبات متزايدة إلى رافعة اقتصادية لخلق الثروة وفرص الشغل، بما يعزز مكانة آسفي كإحدى أبرز عواصم الخزف على المستويين الوطني والدولي.

