دعت ورقة سياسات تنفيذية حديثة إلى اعتماد مقاربة جديدة لقياس أثر النمو الاقتصادي على معيشة المواطنين، مؤكدة أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة لا يكفي ما لم ينعكس بشكل مباشر على دخل الأسر وجودة فرص الشغل.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها الباحث في الاقتصاد والتخطيط أمين سامي تحت عنوان “من نمو الاقتصاد إلى تحسن المعيشة”، أن المؤشر الحقيقي للتنمية لم يعد يقتصر على حجم الناتج الجهوي، بل يشمل مدى تحول الثروة إلى أجور، ومهارات، ومقاولات محلية قادرة على خلق قيمة مضافة داخل الجهات.
وأبرزت الورقة وجود مفارقة بين تحسن المؤشرات الاقتصادية وتراجع ثقة الأسر، مشيرة إلى أنه رغم تسجيل الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 4.4 في المائة خلال سنة 2024، فإن غالبية الأسر لا تشعر بتحسن في مستوى معيشتها، بينما تظل معدلات الادخار ضعيفة للغاية.
وسجلت الدراسة أن النشاط الاقتصادي يتركز في ثلاث جهات رئيسية هي الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة، في حين تبقى مساهمة عدد من الجهات الأخرى محدودة، ما يكرس تفاوتاً مجالياً في توزيع الثروة وفرص التنمية.
كما أوضحت أن ارتفاع الناتج الداخلي في بعض الجهات لا يعني بالضرورة تحسن دخل السكان، بسبب توجه جزء كبير من القيمة المضافة نحو أرباح الشركات أو الأنشطة التصديرية، دون أن ينعكس بشكل كافٍ على الاقتصاد المحلي.
وحذرت الورقة من استمرار استنزاف مدخرات الأسر والاعتماد المتزايد على الاقتراض، معتبرة أن ذلك يرفع الإنفاق بشكل مؤقت، لكنه يضعف الاستقرار المالي للأسر على المدى البعيد.
ودعت الدراسة إلى ربط الاستثمارات بالأثر الترابي، واعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الدخل المتاح للأسر ومعدلات الادخار وجودة الوظائف، إلى جانب تشجيع تنمية اقتصادية أكثر توازناً بين مختلف الجهات.
وخلصت الورقة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع معدلات النمو فقط، بل في تحويل هذا النمو إلى دخل مستدام، وفرص شغل مستقرة، وتحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين، بما يقلص الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية والواقع اليومي للأسر.

