عاد مطلب تسقيف أسعار المحروقات بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين وتزايد الدعوات إلى اتخاذ تدابير تحد من انعكاسات أسعار الوقود على تكاليف المعيشة، وسط تساؤلات بشأن موقف الحكومة الجديدة من هذه المبادرة.
ويعود هذا المطلب إلى عهد الحكومة السابقة، حين أطلق نشطاء مدنيون وحقوقيون مبادرة وطنية تروم دفع السلطات العمومية إلى تحديد سقف أقصى لأسعار بيع الغازوال والبنزين في حدود 10 دراهم للتر الواحد. وبعد توقف مؤقت خلال فترة الانتخابات التشريعية، استأنف القائمون على المبادرة حملة جمع التوقيعات، تمهيداً لاستكمال المسار القانوني وإحالة العريضة على الجهات المختصة.
ولا تقتصر مطالب المبادرة على تسقيف الأسعار، بل تشمل أيضاً اعتماد آلية ضريبية مرنة تسمح بخفض الضرائب المفروضة على المحروقات عندما تسجل الأسواق الدولية ارتفاعات متتالية، بهدف الحد من انتقال هذه الزيادات إلى المستهلك المغربي والتخفيف من انعكاساتها على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات.
وتستند العريضة، وفق القائمين عليها، إلى المقتضيات الدستورية والقانونية المنظمة للديمقراطية التشاركية، وفي مقدمتها الفصل 15 من الدستور والقانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتقديم العرائض إلى السلطات العمومية، فضلاً عن المقتضيات ذات الصلة بالقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الذي ينظم شروط تدخل السلطات المختصة في مجال الأسعار.
ويطرح انتقال الملف إلى الحكومة الجديدة تساؤلات حول مدى استعداد السلطة التنفيذية لدراسة هذه المطالب، وما إذا كانت ستتجه نحو اعتماد تدابير استثنائية لتأطير أسعار المحروقات، أم ستفضل البحث عن بدائل أخرى للتخفيف من أعبائها على الأسر والمقاولات.
ويضع هذا الملف الحكومة أمام معادلة اقتصادية واجتماعية معقدة، تتمثل في التوفيق بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين واحترام قواعد المنافسة، مع مراعاة تكاليف استيراد المحروقات وتقلبات الأسواق الدولية والانعكاسات المالية المحتملة لأي تخفيض ضريبي.
كما يثير المقترح نقاشاً بشأن حدود تدخل الدولة في تحديد الأسعار، ومدى إمكانية تطبيق سقف موحد لا يتجاوز 10 دراهم للتر، في ظل اختلاف تكاليف التوريد والتوزيع وتقلبات الأسعار العالمية. ويظل تنفيذ هذا المطلب مرتبطاً بتقييم آثاره على السوق والمالية العمومية، فضلاً عن تحديد الآليات القانونية والاقتصادية الكفيلة بضمان فعاليته.
وبين مبادرة مدنية تطالب بتدخل مباشر في أسعار المحروقات وانتظارات اجتماعية مرتبطة بتكاليف المعيشة، يبقى مصير تسقيف الأسعار رهيناً بموقف الجهات المختصة من العريضة، ومدى استيفائها الشروط القانونية، والقرارات التي قد تُتخذ بشأن سبل تخفيف كلفة الطاقة على المواطنين.

