دخل حلف شمال الأطلسي مرحلة جديدة من إعادة هيكلة منظومته الدفاعية، عقب القمة التي احتضنتها العاصمة التركية أنقرة، والتي شهدت إعلان الدول الأوروبية إطلاق أكبر برنامج لإعادة التسلح منذ عقود، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتراجع الانخراط العسكري الأمريكي في القارة خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.
ووفق تقرير نشره موقع “واشنطن بوست إنتليجنس”، فإن قادة الحلف توافقوا على رؤية جديدة تحمل اسم “الناتو 3.0″، تقوم على تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية وتحمل دول القارة مسؤولية أكبر في ضمان أمنها الجماعي، بعدما ظلت الولايات المتحدة لعقود تتحمل النصيب الأكبر من أعباء الدفاع داخل الحلف.
وأكد التقرير أن الرسالة الأبرز التي خرجت بها القمة تتمثل في أن تعزيز القوة العسكرية الأوروبية لم يعد خياراً سياسياً، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية فرضتها التحولات الجيوسياسية، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتغير أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
وفي هذا السياق، شدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس على أن أوروبا ستعمل على جعل الحلف “أكثر أوروبية حتى يبقى عبر الأطلسي”، فيما اعتبر الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن المرحلة الحالية تمثل بداية انتقال التحالف إلى نموذج جديد يقوم على توزيع أكثر توازناً للمسؤوليات الأمنية بين ضفتي الأطلسي.
وشهدت القمة الإعلان عن حزمة واسعة من الاستثمارات والصفقات الدفاعية، تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار، شملت أنظمة الضربات بعيدة المدى، والدفاع الجوي والصاروخي، والطائرات المسيّرة، ومنظومات الاستخبارات، إلى جانب تخصيص 27 مليار يورو لتحديث البنية التحتية الخاصة بإمدادات الوقود العسكرية داخل دول الحلف.
كما اتفقت 12 دولة أوروبية، بقيادة بريطانيا، على إطلاق تحالف للاستثمار في قدرات الضربات بعيدة المدى بقيمة 50 مليار دولار خلال العقد المقبل، بينما جدد الحلف التزامه بتقديم 70 مليار يورو من المساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال العام الجاري، مع رصد دعم مماثل لعام 2027.
وأشار التقرير إلى أن الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال السنوات الماضية دفعت الدول الأوروبية إلى رفع إنفاقها العسكري، لكنها عززت أيضاً توجهاً متزايداً نحو تقليص الاعتماد على الصناعات الدفاعية الأمريكية، عبر تطوير قاعدة إنتاج أوروبية أكثر استقلالية.
وفي هذا الإطار، أعلنت عدة دول أوروبية إطلاق مشاريع دفاعية مشتركة تشمل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن البحري والفضائي، كما تم اعتماد طائرات الإنذار المبكر الأوروبية “ساب غلوبال آي” بدلاً من بدائل أمريكية، إلى جانب توقيع اتفاقيات صناعية وعسكرية جديدة مع تركيا في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والصناعات الفضائية.
ورغم هذا التوجه، يؤكد التقرير أن أوروبا ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الأمريكية في مجالات القيادة والسيطرة والاستخبارات والدفاع الصاروخي، وهو ما يدفع الشركات الأمريكية إلى تبني نموذج جديد يقوم على التصنيع المشترك داخل أوروبا بدلاً من الاكتفاء بتصدير الأسلحة.
وفي هذا السياق، أعلنت شركات دفاع أمريكية كبرى عن مشاريع لإنتاج صواريخ ومنظومات دفاعية داخل ألمانيا وبولندا وعدد من الدول الأوروبية، بما يضمن استمرار حضورها في السوق الأوروبية مع تلبية التوجه الجديد نحو التصنيع المحلي.
واعتبر التقرير أن أوكرانيا خرجت من قمة أنقرة بمكاسب مهمة، بعدما حصلت على تعهدات بتوسيع التعاون العسكري والإنتاج المشترك، أبرزها السماح بإنتاج صواريخ “باتريوت” الاعتراضية داخل الأراضي الأوكرانية، إلى جانب توقيع اتفاقيات جديدة لتطوير الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
غير أن التقرير أشار إلى أن تحويل هذه الالتزامات إلى قدرات عسكرية فعلية سيستغرق سنوات، بسبب تعقيدات نقل التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، والحاجة إلى إنشاء خطوط إنتاج جديدة، إضافة إلى القيود القانونية المرتبطة بتصدير التقنيات الدفاعية المتقدمة.
كما لفت إلى أن معظم برامج إعادة التسلح الأوروبية ستعتمد على الاقتراض، إذ تخطط ألمانيا لتعبئة مئات المليارات من اليوروهات لتمويل مشاريعها الدفاعية، بينما أطلق الاتحاد الأوروبي آلية تمويل خاصة لدعم الصناعات العسكرية المشتركة، إلى جانب مبادرات مماثلة في كندا وعدد من الدول الحليفة.
وخلص التقرير إلى أن قمة أنقرة لم تكن مجرد محطة لزيادة الإنفاق العسكري، بل شكلت نقطة تحول في مستقبل الأمن الأوروبي، عبر إطلاق مرحلة جديدة تهدف إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر استقلالاً، مع الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة في المجالات الاستراتيجية، استعداداً لمرحلة تشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى والتحالفات الدولية.

