أعاد اليمين الفرنسي ملف الحجاب إلى واجهة النقاش السياسي، بعد إعلان مارين لوبان استعدادها لطرح مشروع قانون يستهدف ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة على استفتاء شعبي، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول حدود الحريات الفردية ومدى إمكانية تنفيذ هذا المقترح من الناحية القانونية والدستورية.
وتعهدت لوبان، المرشحة عن حزب التجمع الوطني للانتخابات الرئاسية الفرنسية، بعرض ما وصفته بـ”قانون كبير لمكافحة الإيديولوجيات الإسلاموية” على الفرنسيين، يتضمن إجراءات من بينها منع ارتداء الحجاب في الفضاء العام، في حال وصولها إلى قصر الإليزيه.
وأعادت هذه التصريحات النقاش حول استخدام القضايا المرتبطة بالإسلام والمسلمين خلال الحملات الانتخابية الفرنسية، خصوصا في ظل تنامي حضور الخطابات المتعلقة بالهوية والهجرة والأمن في السجال السياسي.
حقوقيون: الحجاب يتحول إلى ورقة انتخابية
ويرى يوسف الإدريسي الحسني، رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الإنسان، أن إعادة طرح قضية الحجاب في هذه المرحلة ترتبط بدرجة كبيرة بالحسابات الانتخابية.
وأوضح أن بعض القوى السياسية تلجأ إلى هذا الملف بهدف التأثير في الناخبين واستثمار المخاوف المرتبطة بالهجرة والإسلام، بدل التركيز على القضايا التي تشغل الفرنسيين بشكل مباشر، مثل القدرة الشرائية والأمن والظروف الاجتماعية.
كما انتقد محاولة الربط بين ارتداء الحجاب والمسائل الأمنية، معتبرا أن تقديم اللباس الديني باعتباره تهديدا للمجتمع يؤدي إلى خلط بين الممارسات الفردية والتحديات الأمنية الفعلية.
ومن وجهة نظر حقوقية، يعتبر الإدريسي الحسني أن فرض قيود إضافية على لباس النساء المسلمات في الفضاء العام قد يشكل مساسا بالحريات الفردية والحق في ممارسة المعتقد، مشددا على ضرورة التمييز بين احترام القوانين وبين التدخل في الاختيارات الشخصية للأفراد.
وأضاف أن منع بعض الرموز الدينية في مؤسسات محددة، مثل المدارس، يستند إلى قواعد قانونية خاصة، ولا يعني بالضرورة إمكانية تعميم المنع على جميع الأماكن العامة.
الإسلام والانتخابات
من جهته، يرى محمد المهدي أقرابش، الأكاديمي القانوني وعضو منتدى الإسلام بفرنسا، أن القضايا المتعلقة بالإسلام والحجاب أصبحت إحدى الأدوات التي يستثمرها اليمين المتطرف في المنافسة الانتخابية.
وأوضح أن الملف الإسلامي تحول إلى عنصر حاضر بقوة في الصراع السياسي بين مختلف التيارات، في وقت تسعى فيه الأحزاب إلى استقطاب الناخبين عبر ملفات الهوية والدين والهجرة.
وبحسب أقرابش، فإن تصاعد هذه القضايا يمكن أن يعكس أيضا صعوبة القوى السياسية في تقديم حلول مقنعة لمشاكل اجتماعية واقتصادية مثل ارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات العمومية وتراجع القدرة الشرائية.
وقال إن القضايا الدينية والهوياتية تزداد حضورا في النقاش العام عندما تعجز الأحزاب عن تقديم إجابات واضحة عن الأزمات اليومية التي تواجه المجتمع.
وأشار الأكاديمي إلى أن جهات حقوقية ومدنية سبق أن دعت المسؤولين الفرنسيين إلى التعامل مع المواطنين المسلمين والمقيمين على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، مع احترام القوانين وعدم تحويل الدين إلى موضوع للتدخل السياسي المباشر.
هل يمكن منع الحجاب في الأماكن العامة؟
ويرفض أقرابش اعتبار غطاء الرأس، في حد ذاته، دليلا على تبني أيديولوجية إسلاموية، مؤكدا أن دوافع ارتدائه تختلف من امرأة إلى أخرى، وقد تكون مرتبطة بقناعة دينية أو بعادات وتقاليد شخصية.
كما شدد على أن تقييم أي سلوك باعتباره تهديدا أمنيا يحتاج إلى مؤشرات وأفعال محددة، وليس إلى مجرد مظهر خارجي.
ويرى أن إجبار المرأة على ارتداء الحجاب أو منعه عنها يمثل تدخلا في حرية الاختيار، مؤكدا ضرورة احترام القانون وعدم تحويل لباس الأشخاص إلى وسيلة للحكم على معتقداتهم أو نواياهم.
وفي ما يتعلق بمقترح فرض غرامات على المحجبات في الفضاء العام، يعتبر أقرابش أن المشروع يطرح إشكالات دستورية وحقوقية، خصوصا في ما يتعلق بحرية المعتقد والمبادئ المرتبطة بحقوق الإنسان.
وبينما يواصل اليمين الفرنسي الدفع بملف الحجاب إلى صدارة النقاش السياسي، يرى منتقدوه أن التركيز المتكرر على هذه القضية قد يزيد من الاستقطاب داخل المجتمع، في وقت تبقى فيه قضايا الاقتصاد والأمن والخدمات الاجتماعية من أبرز الملفات التي تشغل الناخبين الفرنسيين.

