لم يعد السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي مرتبطا فقط بتطوير النماذج الأكثر تطورا والرقائق الإلكترونية الأسرع، إذ بدأت مسألة توفير الكهرباء تتحول إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه شركات التكنولوجيا العملاقة.
وخلال اجتماع لوزراء مجموعة العشرين انعقد في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، حذر إيلون ماسك من أن النمو المتسارع للبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى نقص كبير في إمدادات الكهرباء خلال الفترة المقبلة، فيما دعا مارك زوكربرغ إلى مواصلة التوسع في بناء مراكز البيانات والمنشآت الطاقية القادرة على تشغيلها.
وتراهن الولايات المتحدة على الحفاظ على تقدمها في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، وسط منافسة قوية مع الصين، وهو ما يجعل الاستثمار في الطاقة والحوسبة ومراكز البيانات جزءا أساسيا من الاستراتيجية التكنولوجية الأميركية.
مراكز البيانات تلتهم الطاقة
وأوضح ماسك أن الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي يفرض توسعا متواصلا في القدرات الحاسوبية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على استهلاك الكهرباء.
وتحتاج مراكز البيانات العملاقة إلى تشغيل أعداد ضخمة من الخوادم والمعالجات المتخصصة، فضلا عن أنظمة التبريد والتجهيزات التقنية الضرورية للحفاظ على عملها، ما يجعل الطاقة عنصرا حاسما في مستقبل هذا القطاع.
وحذر رئيس “تسلا” و”سبيس إكس” من أن عدم مواكبة شبكات الكهرباء لهذا النمو قد يخلق عجزا في الإمدادات، معتبرا أن هذا التحدي يمكن أن يؤثر في ميزان المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين.
كما قدم ماسك توقعات متفائلة بشأن التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي، معتبرا أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تحدث تحولات كبيرة في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
زوكربرغ يراهن على التوسع
في الاتجاه نفسه، شدد مارك زوكربرغ على أهمية تسريع تشييد مراكز البيانات الجديدة، مؤكدا أن المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى استثمارات ضخمة وموارد بشرية متخصصة.
وأشار رئيس “ميتا” إلى أن شركته تواجه صعوبات في العثور على العدد الكافي من العمال ذوي المهارات المطلوبة لإنجاز مشاريعها، في مؤشر على حجم الطلب المتزايد على الكفاءات التقنية والهندسية.
ويعكس هذا الوضع تحولا واضحا في طبيعة المنافسة بين شركات التكنولوجيا، التي أصبحت تتسابق ليس فقط على تطوير أفضل البرمجيات، بل أيضا على امتلاك أكبر قدر من القدرة الحاسوبية والطاقة والبنية التحتية.
مخاوف من فاتورة الطاقة
غير أن التوسع المتسارع في إنشاء مراكز البيانات بدأ يثير جدلا داخل الولايات المتحدة، وسط مخاوف مرتبطة باستهلاك هذه المنشآت لكميات كبيرة من الكهرباء وتأثير ذلك على الشبكات والأسعار.
وأصبح هذا الموضوع حاضرا في النقاش السياسي الأميركي، خصوصا مع تزايد المشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في عدد من الولايات.
وفي هذا السياق، انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب معارضي التوسع في بناء مراكز البيانات، محذرا من أن التراجع في الاستثمار في هذا المجال قد يضع الولايات المتحدة في موقع أقل قدرة على منافسة الصين.
خلاف أميركي أوروبي حول التنظيم
ولم يقتصر النقاش خلال الاجتماع على الطاقة والبنية التحتية، بل امتد إلى مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي.
وجدد ماسك انتقاداته للسياسات الأوروبية، معتبرا أن التشريعات الصارمة قد تؤدي إلى إبطاء الابتكار. في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة حاليا مقاربة تمنح الشركات مساحة أوسع لتطوير التكنولوجيا، مع الاعتماد على الهيئات التنظيمية الموجودة داخل القطاعات المختلفة.
أما الاتحاد الأوروبي، فيتبنى إطارا قانونيا أكثر شمولية يهدف إلى تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي والحد من مخاطره، وهو ما يعكس اختلافا واضحا بين الرؤيتين الأميركية والأوروبية بشأن العلاقة بين الابتكار والرقابة.
مستقبل الصناعة بين الفرصة والمخاطر
من جانبه، اعتبر ديميس هاسابيس، رئيس “غوغل ديب مايند”، أن الوصول إلى مستويات متقدمة من الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تحول اقتصادي وتكنولوجي هائل، لكنه شدد على أهمية التعامل المسؤول مع هذه التطورات.
وتأتي هذه النقاشات في وقت عادت فيه قضايا سلامة الذكاء الاصطناعي إلى الواجهة، بعد حوادث تقنية أثارت تساؤلات بشأن مدى قدرة الشركات على التحكم في الأنظمة المتقدمة وحماية المنصات التي تستخدمها.
وبين التحذيرات من نقص الكهرباء والدعوات إلى بناء مزيد من مراكز البيانات، يتضح أن المعركة المقبلة في عالم الذكاء الاصطناعي قد لا تكون مجرد منافسة بين الشركات على تطوير نماذج أكثر ذكاء، بل سباقا أكبر على الطاقة والرقائق والبنية التحتية والعمالة المتخصصة.
فكلما ازدادت قدرات الذكاء الاصطناعي، ازدادت الحاجة إلى الموارد التي تبقي هذه التكنولوجيا قيد التشغيل.

